حروب.. ستبدّل وجه التاريخ!!
علي مسلم
حين تضع الحرب أوزارها، تستنفر الذاكرة على الفور، وتتحول مشاعر البهجة إلى مزيج من التوجس والقلق والخوف، ويجري الإعداد لقبول ما هو آت، فلا مزيد من الخيارات، ولا مزيد من فرص الهروب من تداعياتها، فقد تكون وقودها، أو مجرد ضحية من ضحاياها، فلا سلام، ولا أمان، ولا حروب بعيدة الشأن بعد اليوم، فأبرز الذكريات عن الحروب ستكون مؤلمة بالضرورة.
ربما لا يمكننا أن نحصي عدد المعارك عبر التاريخ، وخصوصاً ما جرى منها في القرن الماضي، الذي شهد حربين عالميتين، وكانت ضحاياها عشرات الملايين من البشر، لكنّ معارك بعينها تظلّ يقظة في الذاكرة الإنسانية، إمّا لدورها في تغيير وجهة التاريخ، أو لدفع محتل، أو لانتصار أمّةٍ على أخرى، وفي هذا السياق لا بد من القول إن الحرب العالمية الثانية كانت أكثر الحروب تسبباً في المآسي، وكانت أكثر الحروب عنفاً، وتعدّ معركة ستالينغراد على وجه التحديد أكثرها دمويةً في التاريخ الإنساني، ليس لعدد ضحاياها التي فاقت ال 3 ملايين قتيل فحسب، بل لما خلفته من دمار في البنى التحتية والفوقية على حد سواء، فبعد أن سيطرت القوات الألمانية على أغلب أوروبا حينها، بما في ذلك العاصمة الفرنسية باريس، وبينما كان صراع هتلر الأساسي مع القوى الأوروبية، وكانت علاقته الظاهرية بالاتحاد السوفييتي تتلخص في كلمة واحدة "الحياد"، لكنه فجأةً ودون مقدّمات أراد غزو الاتحاد السوفييتي للسيطرة على مكامن المواد الخام الأساسية، بدلاً من استيرادها منه، لكنّ كما رأينا كانت التكلفة هائلة، وفي النهاية فشل هتلر في تحقيق ما أراد.
من خلال مقاربة بسيطة بين ما كان يخفيه هتلر ضد السوفييت إبان الحرب العالمية الثانية، وبين ما يخفيه بوتين في حربه على أوكرانيا، سنجد أن مطالبته بحيادية أوكرانيا غير الممكنة يخفي خلفها غايات سياسية غاية في الخطورة، وستكون تداعياتها باهظة ليس على المحيط الروسي فحسب، بل ستطال تداعياتها مجمل أصقاع العالم، وستعاني البشرية جرّاء ذلك من سلسلة غير منتهية من الآثار الاقتصادية الخطيرة، قد لا يتحملها أي نظام، بدءاً من تأثيرها على أسواق الطاقة، والحبوب، وسندات الدولار وأسواق الأسهم، وقد تندلع مواجهات حادة بين الشرق المتمثل بروسيا والصين من جهة، وبين الغرب المتمثل بالولايات المتحدة الأمريكية وأوروبا من جهة أخرى، وستؤدي حتماً إلى جرّ دول أخرى إلى الحرب، وربما إلى الاحتلال، ولاسيما دول الجبهة التي تدور في فلك الغرب، ومن الواضح أن الشعور بالتاريخ يوحّد إرادة كل من روسيا والصين، فهما يتصرفان على أساس أن النظام العالمي يعاد تشكيله بسبب الضعف الأمريكي، وربما يكون ذلك فرصة لتقسيم الغرب.