التغيير الديموغرافي
محمد رجب رشيد
حركة الإنسان من مكان إلى آخر للبحث عن مقوِّمات الحياة قديمة قِدم الإنسان، أخذت مع مرور الزمن شكل الهجرة عندما قصد أماكن بعيدة خالية من السكان للإقامة الدائمة فيها. لم يُعرف التغيير الديموغرافي رغم الحركة الدائمة للإنسان القديم إلّا بعد نشوب الصراع بكافة أشكاله على الأماكن الغنية بالماء والغذاء ونشوء القوميات وظهور الأديان، يكاد الآن لا تخلوا منه بقعة من الأرض التي نحيا عليها، بمعنى أنّ التغيير الديموغرافي عملية مستمرِّة دون إنقطاع بشقِيه الإيجابي والسلبي في مختلف أنحاء العالم. لقد كان ومازال طوق نجاةً للباحثين عن الأمان والحياة الحُرّة الكريمة، وحاجة لبعض الدول التي تشكو من قِلّة عدد السكان، ولكِن في ذات الوقت كان وقعه كالكارِثة على بعض الشعوب المغلوبة على أمرها، ومازالت آثاره ماثِلة للعَيان إلى يومنا هذا، إذ تسبّب بإنقراض شعوب واختفاء ثقافات وحضارات.
التغيير الديموغرافي بشكل عام ومبسَّط هو العَبث بالتركيبة السكانية لمنطقة ما -الموطن الأصلي، الموطن البديل- على أسس أخلاقية أو غير أخلاقية، ينحصِر التباين بين النوعين في الغاية والشكل، والغاية تبرِّر الوسيلة في أغلب الأحيان.
تُعدُّ الديموغرافيا إحدى فروع علم الاجتماع والجغرافية السكانية، تهتم بدراسة الخصائص الكميّة للسكّان من حيث الكثافة والتوزيع والنمو ونسبة الذكور إلى الإناث والوِلادات إلى الوفيات، وذلك للوقوف على متوسط الأعمار ومعدّل تغيّر عدد السكان زيادة أو نقصان. كما تولي أهمية خاصة للخصائص النوعية للسكّان كالتنمية والتغذية والثروة والتعليم والإحصاء ودخل الفرد. وهنا نجد أنفسنا أمام تساؤل مشروع: إذا كان العِلم نوراً، وإذا كانت الديموغرافيا عِلماً، فلماذا لا نراها إلّا ظلاماً، ولا يُصيبنا منها سِوى الظلم؟ من المؤكَّد أنّ السبب يعود إلى الإنسان نفسه، فالعِلم كما يُقال سلاح ذو حدّين، والإنسان هو مَن يختار أحد الحدّين دون الآخر، تقع الكارثة عندما يقع الاختيار على الجانب السلبي منها والمتمثِّل بالتغيير الديموغرافي القسري.
تتخِذ عميلة التغيير الديموغرافي عِدّة أشكال كالهجرة، اللجوء، النزوح، والإبادة الجماعية على أسس عرقية، قومية، دينية أو مذهبية. ولعلّ الهجرة -بشقيها الطوعي والقسري- هي الشكل الرئيسي من أشكال التغيير الديموغرافي، الشّق الطوعي منها حاجة للطرفين كما أشرنا سابقاً، المهاجر الباحث عن الأمان والحياة الحرّة الكريمة، والدول الحاضِنة لِسد حاجتها من اليد العامِلة مثل كندا وأستراليا، أي أنّ هذا النوع من الهجرة يكون حَلّاً لمشكلة الطرفين. في حين أنّ بعض الدول الأوربية مثل بريطانيا، فرنسا، أسبانيا والبرتغال كانت قد جمعت بين شقّي الهجرة إلى قارة أمريكا، حيث جلبت إليها في بداية إكتشافها المهاجرين الأوربيين كمواطنين، وساقت إليها فيما بعد الرجال من القبائل الافريقية كعبيد للقيام بالأعمال الشاقة. مِمّا أدّى إلى حدوث تغيير ديموغرافي لا سابِق له، ليس بسبب قدوم المهاجرين والعبيد إليها فحسب، بل بسبب الإبادة الجماعية لسكانها الأصليين (الهنود الحُمر) بالأسلحة النارية والكيماوية، ونشر الأمراض والأوبئة بينهم.
يبقى الشّق الثاني المتمثِّل بالهجرة القسرية هو الأكثر ممارسةً وخطورةً على حاضر ومستقبل الشعوب، يؤدي بالنهاية إلى اقتلاع شعوب من جذورها بقوة السلاح ونقلها إلى أماكن نائية غريبة عمّا اعتادت عليه من نمط العيش، هذا هو الجانب المظلم من التغيير الديموغرافي والذي غالباً ما يترافق مع الظلم كما ذكرنا سابقاً.
إنّ آثار التغيير الديموغرافي مؤلِمة بِحق تمتدُّ لأجيال وأجيال، تؤدي في أغلب الأحيان إلى زرع الفتنة ونمو الحقد والكراهية بين المكوِّنات الجديدة للمنطقة الواحدة مُهدِّداً بذلك سُبل العيش المشترك، وعائقاً أمام إبرام العقد الاجتماعي بين مكوِّنات المجتمع الواحد بحيث يبقى الوضع معرّضاً للإنفحار في أي لحظة دون سابق إنذار.
موقف المجتمع الدولي من التغيير الديموغرافي القسري لا يختلف كثيراً عن موقفه من القضايا الأخرى، ولا يخلوا من ازدواحية المعايير. يغضُّ الطرف عنه في مكان ما، ويكتفي بالإدانة في مكان آخر، ويمنعه في أماكن أخرى، ولا أدلُّ على ذلك من يوغسلافيا التي شهدت حرب أهلية طاحِنة في تسعينات القرن الماضي، انتهت بتقسيمها دون إجراء أي تغيير ديموغرافي لسكانها المتعدِّد القوميات والأديان. ألا تُشكِّل تلك المواقف خرق فاضح وصريح لميثاق روما لمحكمة الجنايات الدولية للعام ١٩٩٨م، والذي ينص على إعتبار أي تهجير قسري أو إبعاد للسكان هو جريمة ضد الإنسانية، وجريمة حرب في حال قيام دولة الإحتلال على نحو مباشر أو غير مباشر بنقل جزء من سكانها المدنيين إلى الأرض التي تحتلها، أو إبعاد أو نقل قسم من سكان الأرض المحتلة أو جميعهم من منطقة إلى أخرى ضمن الأرض المحتلِّة أو إلى خارجها.
لقد لَقِيَ الشعب الكوردي على مرِّ التاريخ أبشع أنواع الجرائم من جيرانه، أقلُّها أخطرها التغيير الديموغرافي القسري بكافة أشكاله في أغلب أنحاء كوردستان. فقد مارس كلٌ من الإتحاد السوفيتي السابق، إيران، تركيا، العراق وسوريا كافة أشكال التغيير الديموغرافي بحق الشعب الكوردي دون أي وازع ديني أو أخلاقي، وذلك لطمس الهوية الكوردية عن أرض كوردستان. لقد نال جميع المدن والبلدات الكوردية نصيبه من التغيير الديموغرافي بإستثناء منطقة عفرين، حيث بقيَ جميع سكانها من الكورد إلى ما قبل الاحتلال التركي عام ٢٠١٨م. بدأت عملية التغيير الديموغرافي المُمنهج والمُعَدُّ له مسبقاً من قِبل سلطات الاحتلال التركي ومشاركة صريحة من الإئتلاف السوري المعارض بعد سقوط مدينة عفرين مباشرةً، حيث جرى إستقدام المسلحين المرتزقة مع عائلاتهم من الغوطة الشرقية والقلمون وريف حلب وغيرها إلى منطقة عفرين للإقامة الدائمة فيها. لم يكن الأمر مجرّد نزوح، النازح يُقيم في المخيّمات إلى حين العودة إلى بلدته، أو يستأجِر منزلاً في حال كان مقتدِراً، ولكِنّه قطعاً لا يستولي على منازل وأموال وأملاك السكان الأصليين بقوة السلاح، ليس هذا فحسب بل وصل بهم الأمر إلى الإعتقال التعسفي لأي شخص واختيار أهله بين الفِدية والقتل، وأحياناً القتل بعد أخذ الفِدية، جميع تلك الجرائم تُرتكب على مرأى ومسمع السلطات التركية التي تلتزم الصمت بهدف إجبار الأهالي على ترك مدنهم وقراهم، وتخويف النازحين واللاجئين منهم كي لا يعودوا. ثمّ لماذا بناء المستوطنات -بتمويل من دولة قطر- في منطقة عفرين فقط دون غيرها من المناطق التي تأوي النازحين إذا لم يكنْ بهدف تشجيع وتسريع التغيير الديموغرافي. بالطبع لا يختلف الأمر كثيراً بالنسبة لِسري كانيه وتربى سبي.
نحتاج الآن أكثر من أي وقت آخر إلى وقفة مع الذات وصحوة ضمير كي ندرِك أنّ التغيير الديموغرافي الجاري على قدم وساق في منطقة عفرين هو معركة وجود وليس مجرّد معركة حدود، تبِعاته ستكون كارِثية على مستقبل الأجيال القادمة، وإفشاله أو وضع حد له مسؤولية تاريخية تخصُّ الجميع وخاصة النُخب. لا شكّ أنّ العودة الطوعيّة المُتاحة حالياً للنازحين واللاجئين من أبناء منطقة عفرين هو أفضل وسيلة لإفشاله رغم كونِها محفوفة بالمخاطر مع غياب جهة ضامِنة وراعية لها، مهما بلغت مخاطرها تبقى أقلُّ مرارة من البقاء في مخيّم الشهباء وإنتظار المصير المجهول.
إنّ منع النازحين من العودة إلى مدنهم وقراهم لا يمكن تفسيرها إلّا بالمساهمة في عملية التغيير الديموغرافي، وإنّ إنكاره أو التقليل من مخاطره يعني شيء واحد فقط هو إرضاء المحتل. لنتفق جميعاً ولو لِمرّة واحدة على موقف موحّد وحازم من الإحتلال وتبِعاته كي لا نُورِث المزيد من الذُّل للأجيال القادمة فنستحِّقُ بذلك لعنتهم.