نظرية الفوضى الخلّاقة
محمد رجب رشيد
قد يبدو العنوان غريباً بعض الشيء، يثير بعض الأسئلة من قبيل: هل الفوضى نظرية علمية بِحق؟ وهل يمكن للفوضى أن تكون خلّاقة؟ أم أنّها هدّامة؟
من المعروف أنّ جميع النظريات العلمية تُنسب إلى مؤسِّسيها، وتكون ذات مبادئ وقواعد تُعمل بها وصولاً إلى نتائج حتمية. لو احتكمنا إلى المعايير السابقة لتقييم الفوضى ستسقط عنها صفة النظرية حتّى وإن كانت خلّاقة. إنّ الفوضى لا تتعدّى عن كونِها مجرّد نموذج معرفي في نُظُم الإدارة التقنية، ومصطلح سياسي أضافه بعض النخب الخُلَّبية مِمّن يدّعي العِلم والثقافة في منطقتنا -الشرق الأوسط- إلى لائحة النظريات العلمية دون وجه حق، مثلها مثل نظرية المؤامرة. نعم الفوضى موجودة وباقية ما بقي الإنسان كالمؤامرة، ولكنّها لا ترتقي إلى مرتبة النظريات العلمية الرصينة الموثّقة، كنظرية توازن القوى، نظرية اللعبة، نظرية العقد الاجتماعي، نظرية الأخلاق، نظرية التاريخ، نظرية الدولة والسلطة، وغيرها من نظريات الفكر السياسي. باختصار هي ليست نظرية علمية، وإذا أصرّ البعض -مِمّن ذُكِرَ سابقاً- على اعتبارها نظريةً، ستكون نظرية لقيطة لا أصل لها، مُختلَقة في فضاء الأرضية المعرفية للمجتمعات المتخلفة والتي تُعتبر تربة خَصبة لنموِّها. إذا كان الأمر كذلك فما هي الفوضى الخلّاقة؟
الفوضى الخلّاقة باختصار هي حالة سياسية يتوقّع أنْ تجلب الراحة والاستقرار بعد حالة فوضى متعمّدة. ولكِّن الفوضى ليست دائماً خلّاقة، بل على الأغلب تكون هدّامة، تأتي عواقِبها عكس المتوقّع أو المخطّط لها. ويجدر بنا هنا التمييز بين الفوضى ومصطلحات أخرى مشابهة كالعشوائية، الأزمة، المؤامرة والاضطراب.
العشوائية تشير إلى عدم النظام، لا تخضع للضوابط، تعتمد فقط على المصادفة، بحيث لا يمكن التنبُّؤ والتحكُّم بها والسيطرة عليها بسهولة. أمّا الأزمة فإنّها تشير إلى مجموعة من المتغيِّرات تشهدها الأفراد أو المجتمعات أو الدول، تخلق حالة عدم استقرار، كالأزمة النفسية لدى الأفراد، وأزمة فيروس كورونا التي تشهدها العالم منذ سنتين، فضلاً عن الأزمات التي تعصف باقتصاد بعض الدول، وآخرها كانت الأزمة التي انفجرت سنة ٢٠٠٨م في الولايات المتحدة الأمريكية ثم امتدت إلى دول العالم التي يرتبط اقتصادها مع الاقتصاد الأمريكي بشكل مباشر. أمّا المؤامرة فهي كل ما لا نرغب به أو نعجز عن مجابهته وتفسيره وتحديد أهدافه بدقّة من الأحداث الكُبرى غير المألوفة وذات تأثير سلبي علينا. يبقى الاضطراب الذي يُعدُّ من الظواهر الطبيعية التي تأتي دون سابق إنذار، ويشير إلى الشذوذ عن المألوف بحيث يتعذّر التحكُّم بها والسيطرة عليها كتغيير المُناخ وهبوب العواصف.
يعود مصطلح الفوضى الخلّاقة إلى أيام الثورة الفرنسية عندما سيطرت عامّة الشعب على السلطة وحدثت فوضى عارِمة امتدت لسنوات قبل أن تستقر الأوضاع وتُؤكل ثمار الثورة، عندئذ وصفها البعض بالخلّاقة، ومن هنا وُلِدت الفوضى الخلّاقة كمصطلح فقط، وليست كنظرية علمية. إلّا أنّ الضجّة الكبرى حولها أحدثتها وزيرة الخارجية الأمريكية السابقة كونداليزا رايس سنة ٢٠٠٥م في مقابلة مع صحيفة واشنطن بوست الأمريكية، حيث ذكرت عبارة الفوضى الخلّاقة في سياق حديثها عن ضرورة إجراء تغييرات جذرية في الشرق الأوسط، للحد من انتشار التطرُّف والأصولية الإسلامية فيها، نتيجة غياب الحراك السياسي السلمي، وأطلقت شعار نحو شرق أوسط جديد. وفي أعقاب الحرب التي بدأها حزب الله اللبناني على إسرائيل سنة ٢٠٠٦م دعتْ السيدة رايس مرةً أخرى إلى وِلادة شرق أوسط جديد يُلبّي المصالح الاستراتيجية للولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل، من دون الإشارة إلى نظرية الفوضى الخلّاقة، ومن دون أن تذكرها أو تشير إليها صراحةً في مقابلاتها الأخرى أو في مقالاتها أو مذكّراتها.
من المؤكَّد أنّ الفوضى لا تأتي من العدم، بل تخلُقها بعض الجهات الشريرة مِمّن تُمسِك بخيوطها، وتملك القدرة على توجِيهها إلى حيث تريد لتحقيق مصالح كُبرى على حساب مستقبل الشعوب المغلوبة على أمرِها ولديها الإستعداد للقبول بها كأمر واقع لا محال، وما يسهِّل مهمة تلك الجهات هو إيمان البعض -عن جهل أو خُبُث- بحتمية حدوثها، وأخصُّ هنا بالذِكر بعض المثقفين والأكاديميين الذين يتعاطون مع هذا المصطلح السياسي من منطلق الاعتقاد اليقيني بوجودها، وكأنَّها نظرية علمية حقيقة لا جِدال حولها، من دون بذل أي جهد للبحث عن حقيقتها ومنشئها، ليس هذا فحسب بل نجد أبحاثاً ودراساتٍ تروِّج لها، ورسائل علمية لنيل درجات الماجستير والدكتوراه تُكتب عنها.
كما ذكرنا سابقاً كانت الفوضى التي أعقبت الثورة الفرنسية عام ١٧٧٩م خلّاقة حققت أهداف الثورة في نيل الحرية ونشر العدالة والمساواة، أمّا الفوضى التي رافقت ما كانت تسمّى بثورات الربيع العربي فقد كانت هدّامة أتَتْ على الأخضر واليابس، على عكس ما شاعت، وانتشرت حينها على أنّها فوضى خلّاقة استقرت في العقل الجمعي العربي وترسّخت في وجدانه، وروَّج لها كبار المثقفين، ونشرتها الصحف والفضائيات. ولعلّ أحد أبرز من رُوّجَ لها الإعلامي فيصل القاسم الذي يُعدُّ من كِبار مروِّجي نظريتي الفوضى الخلّاقة والمؤامرة من خلال قناة الجزيرة.
إنّ إلقاء تَبِعات الفشل على القِوى الخارجية دون مراجعة الذات، والإيمان بالفوضى الخلّاقة والمؤامرة كنظريات علمية وقبولها كأمر واقع يريح النفوس الضعيفة دون إصلاحها، ويجنِّبها معاناة البحث عن الجهات التي تقف خلفها وفضحِها. وإنّ الإعتقاد بأنّ الفوضى من فِعل الامبريالية والصهيونية فقط، كل ذلك يؤكِّد العلاقة الوثيقة بين تخلُّف الشعوب والتمسُّك بالأوهام وإنتظار المعجزات.