سوريا.. بين المناورات الدولية والرقابة الأمريكية
عزالدين ملا
مع بداية كل عام تتسارع التحركات الدولية، وتشتد وتيرة الأحداث، ومعظم هذه التحركات تكون أمريكية، كما حدث بداية عام 2021، عندما قامت الإستخبارات الأمريكية بقتل قاسم سليماني في عملية نوعية ودقيقة، حيث ضربت عصفورين بحجر واحد، من جهة قصمت ظهر أيران إلى حدٍ ما قبضتها على المنطقة، وهذا ما نلمسه في تشكيل الحكومة العراقية الآن، ومن جهة أخرى شتتّ جميع أذرعها وأدواتها في الكثير من المناطق.
مع دخولنا عام 2022، كانت روسيا تحاول فرض إلتفافة استباقية في شن هجوم على أوكرانيا لتمارس الضغط وفرض إملاءاتها في الأزمة السورية ومناطق أخرى من العالم، ولكن أمريكا كانت لها بالمرصاد بإحداث خلل وفرض حالة فوضى على حدودها كما حدث في كازاخستان، وقد يكون في المستقبل القريب دولا أخرى على حدودها، وذلك للضغط على روسيا وإجبارها على التراجع والرضوخ للسياسة الأمريكية المرسومة، من غير المقبول تمادي أي دولة حتى ولو كانت روسيا في نفوذها ومقايضاتها على الغرب. وهذا ما يبرهن أن أي تحرك أو مقايضة أو مناورة تكون تحت موافقة ورقابة أمريكية وغربية، ومن يخالف هذه السياسة سيلاقي الوجه الشرس لأمريكا والغرب.
لكن الهجوم الذي شنَّه تنظيم داعش الإرهابي على سجن الصناعة، كان قبل كل شيء تهديداً للوجود الأمريكي في المنطقة، وأيضا قد يكون محاولة روسية لخلط الأوراق وفرض إملاءاتها على أمريكا والغرب، هذه المحاولة باءت بالفشل، أمريكا لا تسمح لروسيا بإحداث أي تغييرات دون أن تدخل في خدمة النفوذ والمصالح الأمريكية، وهذا ما حدث من الضربة المتباينة والقاضية في عملية قتل خليفة داعش، وذلك من خلال الإنزال المظلي في منطقة بريف إدلب تحت سيطرة جبهة النصرة الإرهابية وأسفرت عنها تصفية زعيم داعش، كانت هذه ضربة لروسيا التي تقدم الدعم والمساندة لجبهة النصرة، ومن هنا، يمكننا القول، إن ما حدث ويحدث ليس عن خفاء بل عن رضى وتحت أنظار الغرب، وما يحدث في سوريا من فوضى وعدم الاستقرار ليس بخافٍ عن السياسة الغربية وخاصة بريطانيا. بالتأكيد أمريكا دولة عظمى ولها هيمنة ونفوذ قوي على المنطقة والعالم، ولكن في النهاية تخضع للمخططات والسياسات البريطانية المرسومة. فبريطانيا الأم والأساس في الرسم والتخطيط، ولها في كل عرس قرص، هي الأم الروحية لسياسة الغرب والعالم، أي تغيير أو رسم في الخارطة الدولية يكون تحت إشرافها ورقابتها، ومَنْ يخالف هذا الشرط سيلاقي غضب الغرب.
الوضع السوري يتجه نحو الحلحلة، ولكن السيناريو المفروض ليس كما يتوقعه الكثيرون، وما تمارسه أمريكا من ضغط على روسيا وأيران يؤكد ذلك، وما نراه من صمت تركي تجاه الضربات الجوية الروسية على المناطق الغربية، وصمت أمريكي من الضربات التركية على بعض المناطق في سوريا والعراق، دليل على وجود مخطط سينفذ قريبا.
جميع الرسائل السياسية والعسكرية للتحالف الغربي يدل على أن لسوريا مستقبل مغاير لِما يظنه البعض بأن نظام الأسد سيدير البلد.
أما في ما يتعلق بمصير الفصائل والميليشيات وأدوات وأذرع هذ الدول الموجودة في سوريا التي لا تعد ولا تحصى لا يمكن المراهنة على بقائها أو إنتهائها، هم كانوا وما زالوا الأداة والقوة التي يتم من خلالهم السيطرة على الأرض دون التدخل المباشر. ولكن ما يلاحظ من التصريحات الإعلامية أن المنطقة متجهة نحو ترتيبات تكون في مجملها فرض إملاءات سياسية وإنهاء ما كانت عسكرية، وبذلك إنهاء مهمة هذه الأدوات والأذرع، وبمعنى آخر سيتم تقزيمها وإضعافها، وجعلها خلاية نائمة واحيائها واستخدامها متى شاءت. وقد تكون لها تطورات وأبعاد سياسية يأتي بإنهاء هكذا جماعات في تلك المناطق ومناطق أخرى وخاصة في غرب كوردستان وحتى في سوريا ومنطقة الشرق الأوسط. وكذلك ممارسات الميليشيات والفصائل المحسوبة على تركيا ضد المدنيين في المناطق الكوردية عفرين وكري سبي وسري كانيية وفي المناطق العربية في إعزاز والباب. وكذلك إرهاب جبهة النصرة في إدلب ومليشيات الحشد الشعبي وتوابعها في العراق. حيث أصبحوا وبالا ثقيلا على كاهل الجميع، بعد أن مررت هذه الدول مخططاتها ومصالحها ونفوذها من خلال هؤلاء، انتهت مهماتهم، وأضحى من الواجب إنهاؤهم وإقناع شعوب المنطقة بأنهم سيعملون على تحقيق ما كانوا يطمحون إليه وفرض هامش من الأمن والاستقرار.
ستبدأ عملية إزالة تلك الأدوات من الواجهة وبأساليب وطرق توهم شعوب المنطقة بأنه يصبو في مصلحتهم ومن أجل أمنهم واستقرارهم. الساحة السورية ساحة تصفية وكسر الأذرع، فجميع الموازين لصالح النفوذ الأمريكي والغربي، وهذا يدل على أن سوريا تتجه نحو دولة فيدرالية إتحادية، وكل إقليم ضمن هذه الفيدارلية مرتبط بجهة دولية.
الشعب السوري أمام مرحلة جديدة، تكون بمجملها توزيع مناطق نفوذ. المناطق الساحلية وبعض المناطق الداخلية تحت النفوذ الروسي، ومناطق المعارضة تكون تحت النفوذ التركي، وحتما المناطق الكوردية تحت النفوذ الأمريكي، لذلك يتطلب من الأطراف الكوردية أن تدرك ذلك، وعدم إهدار الجهد والوقت بالذهاب إلى دمشق، لأنها لن تكون برضى الغرب.
على الحركة السياسية الكوردية إبداء جاهزيتها لأي سيناريو أمريكي وغربي محتمل في القريب، نحن أمام مرحلة بمجملها لصالح شعوب المنطقة عامة والشعب الكوردي على وجه الخصوص، وإن كانت في حدودها الدنيا، ولكن يبعث الأريحية والطمأنينة إلى حدٍ ما، ما يهم أن نكون أمام مرحلة البناء والتجديد حيث يكون حقوق جميع المكونات السورية محفوظة تحت يافطة الدستور المستقبلي يؤمِّن الرفاهية والكرامة للجميع.