المشروع القومي الكوردي.. المعوقات والحلول
لقمان يوسف
دون الدخول في متاهات التاريخ والبحث في صفحاتها عن الأسباب التي أدت وما تزال دون تحقيق المشروع الكوردي سواءً كانت الأسباب ذاتية أو موضوعية، لذلك الأفضل أن نبحث في المعوقات الحالية التي تحول دون ذلك.
لا شك أن الشعب الكوردي في كوردستان بأجزائها الأربعة يعاني وبشكل متشابه من سياسة الإنكار والإمحاء والمشاريع الاستثنائية من قبل مغتصبي تلك الأجزاء، ولتبسيط الشرح لا بد من الوقوف عند كوردستان الغربية أو ما تسمى بروج آفا (حسب المصطلح المتداول حالياً)، وذلك بسبب الوضع المستجد منذ فترة في هذا الجزء، وبسبب السجال المستمر بين أطراف المعارضة العربية والحركة السياسية الكوردية من جهة وبين الحركة السياسية الكوردية والحكومة السورية من جهة أخرى.
من المعلوم وما تثبته الوثائق التاريخية فإن الشعب الكوردي في كوردستان الغربية يعيش على أرضه التاريخية منذ الأزل وقبل قيام الدولة السورية، وبالإضافة إلى رقعته الجغرافية فإن المناطق الأخرى من سوريا لم تكن تخلو من إنتشاره سواء في أطراف سوريا أو في المدن الرئيسية مثل دمشق وحلب وساهم في النضال والحروب إلى جانب المكونات الأخرى في أغلب المعارك ضد الغزاة والمستعمرين، وبرزت شخصيات كوردية احتلت أسماؤها صفحات رئيسية ومشرقة من تاريخ سوريا، أمثال إبراهيم هنانو وأحمد بارافي وغيرهم الكثير. عدا المساهمة الفعَالة في المجالات الثقافية، السياسية، الاجتماعية والاقتصادية، ورغم كل ذلك وبعد تأسيس الدولة السورية حيكت المؤامرات ضده وأقيمت المشاريع العنصرية وطبقت بحقه القوانين الاستثنائية التي من شأنها طمس الهوية القومية وتغيير ديمغرافية رقعته الجغرافية، وتطبيق نظرية البعثي العنصري طلب هلال على ارض الواقع من خلال اقامة مستوطنات الغمر وتجريد الكورد من الجنسية السورية خير برهان على ذلك.
بالعودة الى المشروع القومي الكوردي في سوريا فقد اصطدم بمعوقات جمة منذ اتفاقية سايكس بيكو ومروراً بالحكومات المتعاقبة التي حكمت سوريا، هذا المشروع الذي لم يكن متبلوراً قبل تأسيس حركة خويبون وتأسيس أول حزب كوردي سنة 1957م، الا انه وبعد هذا التاريخ بدا هذا المشروع يتوضح وأصبح متقارباً جداً فيما بعد من قبل الاطراف السياسية الفاعلة، والذي تمثل بالحقوق القومية المشروعة للشعب الكوردي حسب العهود والمواثيق الدولية.
لا شك ان الشعب الكوردي مثل غيره يطمح الى بناء ذاته ورفع علمه فوق ارضه، ولكن بسبب الظروف غير المساعدة لتحقيق هذا المشروع فضّل التعامل الايجابي مع التوازنات والمصالح الدولية من ناحية ومع الواقع السياسي السوري من ناحية اخرى، ومع ذلك هذا الطرح او هذا المشروع المعتمد من قبل الحركة الساسية الكوردية غير مقبول من قبل الدولة السورية، وضبابي غير واضح من قبل المعارضة السورية بمختلف مشاربها، ومن الاسباب التي تساهم في الاعتراض وعدم قبول المشروع القومي الكوردي هي الذهنية العنصرية والفكر الشوفيني الذي رسخه حزب البعث في اذهان اصحاب المواقف السلبية تجاه قضية الشعب الكوردي.
لذلك ومن اجل تشكيل الضغط وامكانية تحقيق حقوقه المشروعة وتثبيته في الدستور السوري المزمع كتابته من جديد، لا بد من ترتيب البيت الداخلي وتمتينه ووضع حد للتشرذم الموجود وغير المبرر على الساحة السياسية الكوردية وتجميع مجمل الطاقات السياسية، الفعاليات الاجتماعية والثقافية في اطار واحد يمثل الشعب الكوردي في المحافل الدولية والوطنية والخطوة الاولى في هذا الاتجاه هو الابتعاد عن الصراعات الحزبية والمصالح الضيقة، ووضع قضية الشعب الكوردي فوق اي اعتبار، والا فإن مستقبل الشعب الكوردي لن يبشر بالخير، وسيعاني على مر العصور القادمة من سياسة التهميش وعدم الاعتراف بحقوقه المشروعة. فهل ستتعظ الحركة السياسية من التجارب السابقة وتسرع من وتيرة عملها ونضالها للاستفادة من الظروف الحالية، وهذه الفرصة التاريخية الاستثنائية، أم أن قسماً منها سيتمسك بنظرية الأمة الديمقراطية والقسم الآخر سيتمسك بالتشرذم والاستجداء هنا وهناك، والابقاء على الجرح نازفا بانتظار حضور ملك الموت؟.