الفِكر الخلّاق
محمد رجب رشيد
يستطيع الإنسان الامتناع عن الطعام لأكثر من شهرين، وعن الماء لأيام معدودة، وعن الهواء لأقل من خمس دقائق، ولكنّه لايستطيع الإمتناع عن التفكير ولو لثانية واحدة، أي أنّه في تفكير تلقائي دائم طالما كان في حالة اليقظة، وهذا ما عبّر عنه الفيلسوف الفرنسي رينيه ديكارت حيث قال: "أنا أفكِّر إذاً أنا موجود".
لقد خَصَّ الله سبحانه وتعالى الإنسان -دون سائر المخلوقات الأخرى- بالمشيئة والفِكر الخلّاق المنتج للمعرفة، بينما الملائكة لا تشاء ولا تفِكِّر ولا تعصي الله، فقط تفعل ما تُؤمر. أمّا الحيوانات فتقودها الغريزة في جميع شؤون حياتها. يتميّز الإنسان الفرد عن الآخر بطريقة التفكير وبما يحمل من أفكار خلّاقة، وتتميّز المجتمعات عن بعضها بحسب مكانة المفكّرين فيها بين الناس. إذاً ما هو الفِكر؟ وبماذا يختلف عن التفكُّر؟ ومن هو المفكِّر؟ وما أهمية الفِكر في حياة الإنسان؟
التفكُّر فعل وجداني، ورد في عِدة مواضع من المِصحف "أَفَلَا تَتَفَكَّرُونَ"، أي ألا تتأمّلون في أنفسِكم وفي خلق السموات والأرض. بينما الفِكر فعل عقلي يشير إلى مُجمل النشاط الذهني لعقل الإنسان، والذي يُمكِّنُه من الإدراك والذاكِرة والإستنتاج والنقد وإتِّخاذ القرارات وحل المشاكل وتكوين المفاهيم الجديدة.
والفِكرة ما هي إلّا إشارة تأتي من الدماغ على شكل صورة أو صوت أو ذكرى. أمّا المفكِّر فهو لقب يُطلق على الشخص الذي يستخدم الذكاء والتفكير النقدي بطريقة مهنية، ويطرح أفكاراً عميقة في إحدى المجالات، وبنفس الوقت يُبدي آراء جديدة في القضايا العامَّة، فيُقال عنه: المفكِّر السياسي (أفلاطون، نعوم تشومسكي)، المفكِّر الاجتماعي (ابن خلدون، كارل ماركس)، المفكِّر التربوي (جون ديوي)، أو المفكِّر الديني (محمد شحرور، علي شريعتي)، ....إلخ، أي أنّ جوهر عمل المفكِّر هو قراءة الواقع بعمق، واستخلاص العِبَر، وصناعة مفاهيم جديدة. رُبَّ سائل هنا: كيف نميّز بين المفكِّر والفيلسوف والمثقّف؟ المفكِّر أعلى مرتبةً من المثقّف وأقلُّ من الفيلسوف، بمعنى أنّ كلُّ فيلسوف هو مفكِّر ومثقّف بنفس الوقت، ويتفوّق عليهما بتجريد عِلمه من الواقع والإبحار نحو المجهول. وكلُّ مفكِّرٍ هو مثقّف بنفس الوقت، ويتفوّق عليه بِكونه يأتي بمفاهيم جديدة من دراسة الواقع، ولكنّه ليس فيلسوفاً. مع الأسف حالياً يصِف البعض نفسه بالمفكِّر لمجرّد كتابة منشور على صفحته دون أن يكون لديه أي مؤلّف. أمّا المثقّف فهو المتفوّق في إحدى المجالات، ويحيط العِلم بمجالات أخرى، ولكنه ليس مفكِّراً أو فيلسوفاً.
بالفِطرة الأحلام تولِّد الأفكار، ولكنّها تبقى مجرّد أفكار إذا لم تُترجم إلى أفعال، بمعنى أدَّق الأحلام والأفكار والأفعال تشكِّل معاً سلسلة مترابطة تقود الإنسان إلى صُنع المعجزات إذا تمّ تطعيمها بالإرادة القويّة. وما الإنجازات العظيمة في تاريخ الإنسانيّة كاختصار المسافات، الطيران، الغَوص في أعماق البحار، اختراق الفضاء، والثورة الرقمية، ما هي إلّا ثِمار الأفكار التي سبقتها الأحلام! وآخر الأفكار المطروحة في الأوساط العلمية هي السفر عبر الزمن! لا ندري قد يتحوّل ذلك الحُلم إلى حقيقة في قادم الأيام.
من هنا تأتي أهميّة الفِكر في حياة الإنسان الفرد، إنّه السبيل الوحيد الذي يجعل الإنسان أكثر وعيّاً بما يحيط به، وأعمق إدراكاً لأبعاد وجوده وعلاقته بالطبيعة والكون والخالق. فالإنسان من خلال فِكره يسبح في عوالم جديدة تصبُغ رؤيته بالشموليّة الّتي تجعله أكثر وعياً بالحقائق، وأكثر قُدرة على معرفة ما كان يجهله سابقاً وما يجهله الآخرون حالياً..
من الأهمية بمكان هنا التمييز بين الأفكار من جهة والقيَّم والمبادئ من جهة أخرى، فالقيَّم والمبادئ ثابتة لا تتغيّر ولا تُلغى مع الزمن، ولا يَحِلُّ للفِكر أنْ يكون بديلاً عنهما مهما بلغ من الاستقامة والنقاء، فضلاً عن كون الأفكار تلائم الظروف المحيطة بها والزمن الذي تُطرح فيه فقط، وعليه تكون مهمّة الفِكر رسم مسار الحركة نحو تحويلها إلى فِعل، وإجراء تغيير ما يلزم في تلك الظروف لملائمة المسار المحدّد، بمعنى أنّ بعض الأفكار تنتهي صلاحيتها ليس في حالة إخفاقها فقط، وإنّما في حال نجاحها أيضاً، فعلى سبيل المثال حينَ تطرح فِكرة -فرض غرامة مالية- على السائقين لإجبارهم على التقيُّد بأنظمة المرور بغية الحفاظ على السلامة العامة، فإنّ تلك الفِكرة تنتهي صلاحيتها بعد أنْ تتحوّل إلى ثمرة، والثمرة هنا هي التقيُّد بقواعد المرور طوعاً، تماماً كالبذرة المزروعة في الأرض، لا يبقى لها أثر بعد تحوّلها إلى نبات، وبالتالي تكون الدعوة إلى نفس الفِكرة مرةً أخرى غير ذي معنى. بينما الحاجة إلى القيّم والمبادئ دائمة لكونهما من الحقائق الثّابتة الّتي لا تتغيّر ولا تقلُّ أهميّتها مع الزمن.
يتضّح مِمّا سبق أنّ نوعيّة الحياة الّتي يعيشها الإنسان الفرد لا تكون فقط بِحسب ما يملك من ثروة أو مال أو جاه، وإنّما بحسب ما يحمل من أفكار أيضاً، بالفِكر وحده يرتقي الإنسان من الجهل إلى المعرفة، والأفكار الخلّاقة هي التي تقود الإنسان إلى النجاح في تحقيق أهدافه. فالفِكرة مهما كانت تترُك أثراً معيناً على الواقع سلباً كان أم ايجاباً، قد تُمهِّد لاختراع عظيم، أو تشكِّك في مسلّمة من المُسلّمات، أو تعزِّز ظنّاً من الظنون، وقد تُنقِذ أمُّةً أو شعباً من كارثة مُحققة!
لنفكِّر معاً ونتبادل الأفكار والآراء حول مختلف القضايا حتى نصل إلى الحقائق، وأظنُّها غاية جميع الشرفاء.