القُدوِة الحسنة

القُدوِة الحسنة

محمد رجب رشيد

الإنسان بطبعه كائن اجتماعي مجبول على التفاعل مع الآخرين، لا يمكنه العيش منفرداً بِمعزل عن الآخرين، يتأثَّر بهم ويؤثِّر عليهم -إيجاباً أو سلباً-، ولِملء جزء من فراغه الروحي تجده يتحدّث بشوق عن سيرة الأشخاص الذين أحَبُّهم أو نالوا إعجابه بأقوالهم وأفعالهم تمهيداً ليختار منهم قدوته. الأمر يختلف بعض الشيء بالنسبة للأطفال الصغار، فِطرتهم تقودهم إلى اتخاذ والديهم قدوة لهم بغض النظر عن سلوكهما وأخلاقهما. إذاً ما هي القدوة؟ وما أهميتها في حياة الإنسان الفرد والأمم؟ وكيف نختارها؟ وبماذا تختلف عن الكاريزما؟
قبل الخوض في القدوة لا بدّ من التمييز بينها وبين مفهومين آخرين مشابهين لها هما المثل الأعلى والأسوة الحسنة. فالمثل الأعلى ينفرِد به الله سبحانه وتعالى فقط دون جميع المخلوقات، قال تعالى: (وَلَهُ ٱلْمَثَلُ ٱلْأَعْلَىٰ فِى ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ) (وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَى وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ) ص، بينما الأسوة الحسنة تعني بلوغ القمة في جميع الصفات الحميدة، وهي مكانة لا يستطيع أحد بلوغها سِوى الأنبياء والرسل مِمّن اصطفاهم الله من خلقِه، قال تعالى (لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ) ص. أمّا القدوة فهي من الناس وإليهم، بمعنى يمكن لأي شخص يتصدّر الموقف ويتفوّق في مجالٍ ما أو أكثر أن يكون قدوة للآخرين. قد يظن البعض أنّ الشُهرة من مقوِّمات القدوة، لكِّن الواقع ينفي ذلك تماماً، فليس كل مشهور يصلُح ليكون قدوة للآخرين، فالشهرة -رغم أهميتها- بدون ثِقل أخلاقي وعملي مجد كاذب لا يدوم.
القدوة بشكل عام هي شخصية تجمع بين الكاريزما والإبداع، ذات تأثير على الناس بأقوالها وسلوكها مِمّا تجعلهم يقتدون بها دون إذنها وعِلمها. إذا كان لا بدّ من وجود قدوة في حياة الإنسان فلتكن القدوة الحسنة وليس السيِّئة، فالقدوة السيِّئة حاضِرة أيضاً ومؤثِّرة. كما أنّ الإنسان مخيّر بين الإيمان والكفر، ويتحمَّل مسؤولية اختياره في الآخرة، حيث سيُسأل عنه ويُجزى عليه، كذلك فإنّه يتحمّل مسؤولية اختيار قدوته ليس في الآخرة فقط، بل في هذه الدنيا أيضاً، فلا عذر لمن يختار القدوة السيِّئة. إذا كان الأمر كذلك فكيف نميّز بين القدوة الحسنة والأخرى السيئة؟
لِمعرفة ذلك لا بدّ للمقتدي من الاطلاع على السيرة الذاتية لأي شخص قبل اتخاذه قدوةً له، ثمّ يتابع أنشطته باستمرار كي لا يُصدم ويُصاب بخيبة أمل كبيرة إذا ما اكتشف فجأةً زيف قدوته وحقيقة نفاقها وكَذِبها، وما أكثر المزيّفون! ولعلّ أقرب مثال على ذلك مُقدِّم البرامج جورج قرادحي الذي خلع مؤخراً القناع الذي كان يُخفي حقيقته عن الناس خلال العقود الماضية. هذا إن كانت القدوة سيئة، وفي حال كانت حسنة ستُخبِر سيرتها الذاتية ومتابعتها كيف تطوّرت شخصيتها من حال إلى أفضل حتى وصلت إلى ما هي عليه الآن. ومن الجدير بالذكر هنا أنّ اتخاذ القدوة غير مختصرة على الأحياء، بل يمكن العودة إلى التاريخ والبحث عن الأعلام الراحلين مِمّن قدّموا للإنسانية خُلاصة فِكرهم وإبداعهم. وما أكثرهم!
القدوة الحسنة حاجة فطرية للإنسان الفرد وللأمم، دافِعها ما جُبِلَ عليه الإنسان من حُبِّ الكمال. وهي بالأصل مفهوم تربوي إصلاحي، وإحدى أهم أساليب التربية التي لا غِنى عنها في تنشئة الأجيال الصالحة والنافعة لنفسها ولأمّتها، لقد أثبتت الدراسات أنّ القدوة أشدُّ تأثيراً على الإنسان من الموعظة، وهي بحق أرقى شكل من أشكالها، مِمّا يجعل المقتدي يثِق بقدوته ويتلقّف كل ما يصدر عنها من قول أو فعل بحيث ينعكس إيجاباً على حياته. تشير القدوة الحسنة إلى صُنُف من الناس يجمع بين الكاريزما وحُسن الخُلق والإبداع في المهنة، ينشر الطاقة الإيجابية على كل من يلتقي به أو يتواصل معه، والأهم من ذلك أنّه إنسان قبل أن يكون أي شيء آخر. تأتي أهمية القدوة الحسنة من كونِها وسيلة فعّالة لتعديل أنماط السلوك الخاطئ لدى الناس وخاصة الأطفال، وإقناع الناس بأنّ النجاح وبلوغ المجد وأسِر قلوب الآخرين ليس من المستحيلات، بل هو مُمكن ومُتاح لكل من يؤمن بإمكانياته وقوة إرادته.
لا شكّ أنّ الكاريزما من أهم مقوِّمات القدوة والعكس غير صحيح، ويعود ذلك إلى أنّ علاقة الشخصية الكاريزمية مع الآخرين هي علاقة عاطفية بإمتياز، لا تتجاوز الإعجاب والمحبّة من بعيد، وبالطبع ليس كل شخصية كاريزمية صالحة لاتخاذها قدوةً من قِبَل الآخرين. بينما علاقة القدوة الحسنة مع المقتدي علاقة عقلانية وعاطفية بنفس الوقت. بالإضافة إلى الإعجاب والمحبّة يحاول المقتدي أن يستفيد من خُبرات ومهارات المقتدى به دون أنْ يكون تابعاً له أو أن يُقلِّده، لأنّه مهما حاول لا يستطيع أن يكون نموذجاً مطابقاً له.
إنّ الأمّة التي تقتدي بقدوة حسنة لابدّ أن تكون ذات مبادئ وقيم وَأخلاق فاضلة، من حيث أنّ القدوة الحسنة إحدى أهم ركائز حضارة الأمم، تنهض بأخلاق وسلوك أفرادها مِمّا تشكِّل فائض حضاري يُترجم إلى فائض أخلاقي ينعكس إيجاباً على حياة جميع الأمم والشعوب. ولا أدلُّ على ذلك من السيدة أنغيلا ميركل المستشارة الألمانية السابقة، والسيد جاستن ترودو رئيس الوزراء الكندي الحالي، لقد جعلا من بلادهما ملاذاً آمناً وحضناً دافئاً للاجئين القادمين إليها من مختلف أنحاء العالم هرباً من الاضطهاد والفقر وبحثاً عن الأمان والحياة الكريمة. إنّهما يستحقّان بجدارة لِيكونا قدوة حسنة ليس للعالم فقط، بل وللأجيال القادمة أيضاً. وعلى النقيض من ذلك -ليس من باب المقارنة وإنّما من خيبة الأمل- يشهد الشعب الكوردي السوري الآن حالة من الضياع والتشرذم لا مثيل لها، وتعود بالدرجة الأولى إلى غياب قدوة حسنة يقتدي بها في نضاله.
وأخيراً أقول: قد لا نستطيع أن نكون قدوة حسنة للآخرين، ولكن بالتأكيد نستطيع إختيار قدوتنا الحسنة بملئ إرادتنا دون إملاء من أحد.