الارجوزات
عبدالحميد جمو
بمناسبة اصدار العدد 500 لجريدة نضال الشعب لسان حال الحزب الشيوعي السوري الذي أقيمت في سينما الحمراء بالعاصمة السورية "دمشق" في التسعينيات من القرن الماضي.
وكانت الجموع الغفيرة قد توالت من كل أرجاء سوريا وحتى من البلدان الصديقة للحزب الشيوعي، وبكل تأكيد كان الوفد السوفياتي أكبر وأكثر الوفود تميزا كونه كان برئاسة زعيم الحزب الشيوعي السوفياتي وقائد الحراك (متزعم المعارضة) آنذاك، وبحضور لافت لزعيم الحزب الشيوعي السوري" خالد بكداش" رغم وهنه ومرضه.
وكنتُ ضمن الوفد المدعو وبعد عدة ساعات مملة من الكلمات المتاجرة بالمبادئ جاء وقت الحفل الفني، وحينه (أتذكر جيدا) قدمت فرقة من دير الزور أغنية مطلعها ( الأمه الي ما تقبل تثور أمه جذابه) شدتني الكلمات الملامسة للواقع المرير، فهي تنتقد التبعية العمياء وتدعو الأجيال للثورة ورفض الخنوع، فصفقت لها بحرارة، مع صوت الموسيقى والغناء تقدمت لمقدمة المسرح وكأن بي لا اسمع إلا صفقة وحيدة وهي الصادرة مني فإلتفتُّ خلفي فإذا الجميع واجمون يرمقوني بنظرات مريبة، فإتجهت إليهم وصفقت بقوة أكثر لعلي أجد من يشاركني، لكن الوضع لم يتغير بل إنقلبت النظرات إلى نظرات سخرية واستخفاف.
أيقنت حينها أنني في المكان الخاطئ وأن أغلب الحاضرين متاجرين وهمهم الصعود بأية وسيلة كانت، ولم أبالي وبقيت أصفق لوحدي متأثرا بمعاني وكلمات الأغنية. وها أنا أصفق إلى الآن بمفردي.
هذا الحدث أعادته لي ذاكرتي في تأبين الكاتب والشاعر الراحل " دهام حسن "، فهي تنطبق واقعا على ما جرى في أربعينيته رحمه الله.
فقد إمتلأت الصالة التي أقيمت فيها حفل التأبين، بثلة من الوجوه المألوفة والتي لها وزنها على الساحتين السياسية والفكرية، وكثير من الوجوه المتحورة التي لا تظهر سماها إلا في ركن الخفاء تحت ستار العتمة، وتتقن إرتداء زي المناسبة وتتقلد الشخصية بدقة وتتقمص الدور المناط بها بإحترافية.
وكأن جلّ الحاضرين كانوا قادمين ليقدموا أنفسهم ويلمعوا صورة ممثلياتهم وبمسمياتهم سواء أكانت حزبا أو اتحادا أو منتدى أو إلى ما هنالك من المسميات الدارجة في يومنا أو يبرزوا شخصياتهم وقدوراتهم ومهاراتهم المكتسبة، ويروجوا لتجارة سلعتها اسم الفقيد الراحل، وأكثرهم ألقوا كلمات مظهرين فيها تأثرهم وشعورهم بالفراغ الذي خلفه رحيل الشاعر والأديب "دهام"، ومن خلال كلماتهم أكاد أجزم تماما أن تسعين بالمائة ممن شاركوا في أربعينيته لم يعرفوه ولم يسمعوه، به لم يطلعوا على إرثه الثقافي ولا يعلمون ماهية منهجه وما يكتبه ان كان شعرا أو سردا، ولم يتكبدو عناء تقليب الصفحات في كتبه، ولا يعرفون عدد نتاجه ولم يقرأوا منه شيئا، رغم ذلك حاولوا أن يبينوا أنهم كانوا على تواصل دائم معه لا بل وأكثر من ذلك، ان البعض أدعى أنهم كانوا أقرب المقربين إليه لدرجة أنهم لم يكونوا يفارقونه ولا يفارقهم، ولو سألتهم عما يحفظون من أشعار الفقيد لتهربوا جمعيا من الإجابة بحجة أن رحيله صدمة أنستهم ما يحفظون، طبعا استثني منهم صديق طفولته وابن قريته الذي تحدث بتأثر وعفوية وبكلمات بسيطة ومقتضبة تغلبها الحشرجة.
لو تعمقنا قليلا بحياة الراحل الاستاذ دهام وأخذنا ما قاله صديقه مقياسا واستندنا على نتاجه الفكري والفني، وحللنا مواضيع كتاباته لعرفنا قدر المعاناة التي عاشها وحيدا متقاسما الألم والوجع مع أفراد اسرته، حينذاك أين كان هؤلاء المدعين محبة الاستاذ، لما لم يحاولوا تكريمه في حياته وتعريف الناس به، لماذا؟ ولماذا؟ ولماذا؟ اسئلة كثيرة، وأعلم أن الإجابة ستكون صادمة، فقد فهمنا نحن السياسية على أنها فن الحيل والمراوغة وإقتناص الفرص، وقد تناسوا أنها اسلوب اقنتاص الفرص بما يعكس إيجابيا لمصلحة شعبهم وليس العكس، فالسياسبة أبدا لم تكن في يوم مظلة تستر القبائح وسلّم تصعد بها فوق معاناة من وثقوا بك. .
لا أعلم من أين استوردنا هذه الآنا لدرجة تهميش والتضحية بإرث فني وأدبي وفكري له بكل تأكيد إنعكاساته المستقبلية، لنبدي أنفسنا على المثقف والواعي والمدرك الذي يستطيع بفكره إيجاد الحلول الناجعة للمعضلات، رغم إننا ضمنيا نعلم بأننا نؤخر ولا نقدم ونستمر في التراجع، فنحن شعب لا يعرف قيمة مبدعيه إلا بعد الرحيل، وهنا أيضا يزرف الكثيرين عليهم دموع التماسيح.