مراكز الدراسات والأبحاث - ضرورة أم ترف

مراكز الدراسات والأبحاث - ضرورة أم ترف

محمد رجب رشيد

في عالم تتّسِم فيه الصراعات والنزاعات والأزمات بالتعقيد الشديد والتداخُل بين ما هو محلي وما هو دولي، وتكثُر فيه التحدِّيات والتجاذبات، تكون الحاجة ماسّة لمراكز متخصِّصة بالفِكر والمعرفة تساعد صنَّاع القرار على بَلورة رُؤى واضحة لأسباب الصراعات ومدى خطورتها على الأمن الداخلي والسلم العالمي، وفضّ النزاعات وحلّ الأزمات أو إدارتها بشكل أفضل، فضلاً عن استراتيجيات قادرة على الاستشراف لمواجهة الواقع وتحديّات المستقبل. من هنا كانت مراكز الدراسات والأبحاث ومازالت تحظى باهتمام كبير في أغلب أنحاء العالم، الأمر الذي أدّى إلى زيادة عددها وتعدُّد اختصاصاتها. لم تعدْ تلك المراكز ترفاً فكرياً كما كانت أول نشأتها، بل أصبحت ضرورة لِما لها من دور ريادي في قيادة العالم من الخلف باعتبارها إحدى وسائل الحرب الناعمة، وأداة لإنتاج العديد من المشاريع الإستراتيجية الفاعلة، ومصدراً للتوجيه والتوعية، فضلاً عن المساهمة في تطوير الفكر السياسي الاستراتيجي على مستوى العالم، والذي مرّ بتطوُّرات وتغيُّرات كثيرة تِبعاً لتطوُّر وتعقُّد العلاقات الدولية والسياسات الاستراتيجية ونشوب الحروب بين الحين والآخر في مختلف أنحاء العالم.
النشأة الأولى لمراكز الدراسات والأبحاث كانت في أوربا، ومنها انتقلت إلى الولايات المتحدة الأمريكية، ومن ثمّ إلى الاتحاد السوفيتي السابق. وكانت أبحاث التنمية البشرية والاقتصادية قد حازت على اهتمام هذه المراكز رغم أنّ السِباق في ظل الحرب الباردة بين المعسكرين الرأسمالي والإشتراكي كان موجهاً نحو كشف عيوب الآخر وتطوير الأسلحة وخاصة أسلحة الدمار الشامل.
لقد أصبحت الدراسات والأبحاث الاستراتيجية مجالاً أكاديمياً متداخلاً في الاختصاصات، يركِّز على استراتيجَتي الصِراع والسِلم الدوليين، ويولي اهتماماً خاصاً بالعلاقة بين السياسة الدولية من جهة والاقتصاد الدولي والقوة العسكرية من جهة أخرى. تختلف مراكز الدراسات والأبحاث عن بعضها من حيث الاختصاص والمهام، ولكِنّها تشترك جميعاً في رصد وتحليل الأحداث في مختلف أنحاء العالم والقيام بأدوار مؤثِّرة على بلورة توجُّهات المجتمعات وتشكيل الرأي العام وتقديم التوصيات للحكومات والمنظمات الدولية كالأمم المتحدة وتفرعاتِها والبنك الدولي. تعمل في هذه المراكز بالإضافة إلى العلماء المختصين بعض الضباط المتقاعدين، وبعض النخب من الساسة أمثال هنري كيسنجر و دينيس روس وغيرهما.
تحتل أمريكا المركز الأول في عدد وجُودة المراكز والمعاهد والمؤسسات البحثية، وتعتبر من أكثر الدول اعتماداً عليها، لقد كانت أغلب سياساتها الخارجية خلاصة تقارير المراكز البحثية منذ القرن الماضي، وفي نصفه الثاني على وجه التحديد. ذكر بول بريمير في مذكراته عن الفترة التي كان فيها رئيساً لسلطة الإئتلاف في العراق عقب الإحتلال الأمريكي ما يلي: عندما دخلت مكتبي في بغداد لأول مرّة وجدت على الطاولة مذكرة من مؤسسة راند البحثية، فيها شرح مفصَّل عن مشاكل العراق والحلول المطروحة لها وما ينبغي عليّ فعله، لقد كانت بحق مذكرة مهنية وصريحة.
إنّ العامل الرئيسي الذي يحدِّد أهمية مراكز الدراسات والأبحاث ليس فقط جُودة التقارير الصادرة عنها ومصداقيّتها، وإنّما مدى ثِقة صانعي القرار السياسي بها والحاجة إليها. البعض منهم يكتفي بالمستشارين المنافقين الذين يزوِّدونه بما يريده من خلال تقارير المخبرين، ويخفون عنه ما تحتاجه المصلحة العُليا للبلد، وبالتالي لا يرَون أي حاجة إلى مراكز الدراسات والأبحاث المحايدة. بينما في الدول المتقدمة مراكز الدراسات والأبحاث أشبه ما تكون بمراكز الفتاوي السياسية، حيث تعتبر المصدر الرئيسي لإمداد صانعي القرار بالمعلومات والاستنتاجات والتوصيات اللازمة حول جميع القضايا والأزمات. لم تعُد دور مراكز الدراسات والأبحاث مقتصراً على تطوير وبلورة صناعة القرار السياسى فقط، بل تجاوزته الى استقراء المسارات المستقبلية المحتملة بشكل علمي ومُمنهج للخروج من الأزمات، وإيجاد أفضل الحلول للمُعضلات القائمة، وأكثر من ذلك تعمل بعض المراكز على تأسيس وجهات نظر جديدة في العالم، وإعادة تفسير بعض الأحداث التاريخية بحيث تخدم الأهداف البعيدة لدولها.
تُصنّف مراكز الدراسات والأبحاث إلى عِدة أنواع، منها ما هي مرتبطة بالجامعات مباشرة تجري أبحاث اجتماعية تتعلق بالواقع المُعاش، وأخرى إعلامية لتبرير بعض السياسات الخارجية التي تتعارض مع مبادئ الأمم المتحدة، ومراكز أخرى تهتم بالمزاج العام للمجتمعات من خلال استطلاعات الرأي، ولكن أهم تلك المراكز هي التي تختص بدعم وإمداد صانع القرار بكل ما يلزم حول مختلف القضايا والأزمات الداخلية والخارجية.
حالياً يبلغ عدد مراكز الدراسات والأبحاث في العالم أكثر من سبعة آلاف مركز، ربعها في الولايات المتحدة الأمريكية، فيما يتوزّع الباقي على جميع بلدان العالم. نصيب الصين لوحدها تعادل نصيب الشرق الأوسط وشمال افريقيا بخمسمائة مركز، وتتصدّر إسرائيل لائحة الشرق الأوسط بحوالي سبعين مركزاً، تليها تركيا ثم دول مجلس التعاون الخليجي فإيران.
يحتل معهد بروكِنز للأبحاث في واشنطن المرتبة الأولى على مستوى العالم حسب ترتيب التقرير السنوي لجامعة بنسلفانيا، يليه المعهد الفرنسي للعلاقات الدولية والذي يعتبر من أهم مركز الفِكر على مستوى العالم، وهناك مركز تشاتام هاوس في بريطانيا، ومركز بروكلي في بلجيكا، ومؤسسة راند الأمريكية التي تعتبر من أهم المؤسسات الفكرية المؤثِّرة على صناعة القرار الأمريكي، خاصة ما يتعلَّق منها بالشرق الأوسط، وأقدم مركز في المنطقة هو مركز الأهرام للدراسات السياسية الاستراتيجية الذي تأسّس سنة ١٩٦٨م في القاهرة.
رُبَّ سائلاً هنا: ما مدى مصداقية التقارير الصادرة عن مراكز الدراسات والأبحاث؟ وهل للتمويل دور ما في توجُّهاتها؟ لا شكّ أنّ المراكز البحثية تحتاج إلى ميزانيات ضخمة للاستمرار في عملها، ولا يمكن إنكار دور التمويل في توجُّهاتها، بمعنى أدق ليست هناك مراكز حيادية بالمطلق إلّا ما ندر، ويكمُن الفارق فيما إذا كان المنتج البحثي هو الهدف أم البعد المادي أم الأثنين معاً. بالطبع عدم الحيادية المطلقة لا يُقلِّل من أهمية المنتج البحثي، وبنفس الوقت لا ينفي وجود بعض المراكز العريقة التي تجمع بين الحيادية والجودة. ويبقى السؤال الأهم: أين نحن من مراكز الدراسات والأبحاث؟