للتاريخ ( قصيدة ملحمية لآخر فرسان الكورد)
صديق شرنخي
جميعنا قرأ بشغف الكتابات السابقة للسروك مسعود البارزاني حينما يسلسل تجربته الحياتية في السياسة، أو يستعرض تاريخ الأمة الكوردية ومعاناتها ومعاناة الأسرة البارزانية من أجل الشعب الكوردي وتحرير إرادته في السنوات المئة السابقة من تاريخ أمتنا، ولذلك تراه يكرر هنا أيضا في كتابه القيّم (للتاريخ) الرقم مئة لأنه لا يعبر عن تاريخ شخص وعمره السياسي أو نضاله الشخصي فقط، إنها قصة توارث نضال بطولي في أسرته عبر عقود طويلة. لابن هذه العائلة التي جربها شعبنا بصدقها ووفائها وحنكتها ورجولتها ، وأخيراً بإيمانها العميق في تحقيق استقلال كوردستان عاجلاً أو آجلاً .
في كتابه هذا، هو شخصية لا تكرر ذاتها ربما بل يفاجئنا بكم هائل من الأرقام والتواريخ والأسماء واللحظات الحاسمة في اتخاذ القرار، ما كنا نلمسها بأي كتاب سيرة ذاتية أو سيرة سياسية. إنه يخاطب الكوردي فقط، ذلك الذي عايش تجربته في العراق ولا يهمه ما يقال هنا وهناك ولذلك تشعر أنك أمام حضرة البارزاني مصطفى الذي لم يتسنّ له كتابة قصة نضاله أو الشيخ أحمد البارزاني قبله أو الشيخ عبدالسلام البارزاني والآخرين من آبائه وأجداده وإخوته. فماذا لو كانوا قد كتبوا هم أيضاً سيرتهم كما عايشوها بالأحداث والأرقام، نتصور فقط ذلك السجل من التاريخ النضالي الذي لم يتوقف حتى الآن عند مسعود البارزاني ويستمر.
لن نعود إلى التاريخ كثيراً كي لا نضيع بين ثناياه ، و أكتفي بما ذكره المؤلف باختصار و تسلسل منطقي مكثف ليصل إلى النقطة المحورية التي شدته إلى أن يركز على جوهر القضية والتي كانت استقلال كوردستان أو الاستفتاء من أجل استقلال كوردستان، المراحل السابقة لها والتحضيرية ثم عشية الاستفتاء والمقاربات التي تناولها ثم المرحلة الأليمة التي تلتها.
سأستعيد ترتيب المحاور من كتاب هذا القائد من فقرة متأخرة (حرب داعش) ، وأشعر أنه وضع خلاصة التجربة الشخصية والكوردستانية أمام عينيه، ولم يكن في هذا الكتاب إلا ليعبّر عن حقيقته الشخصية وتجربته للتاريخ وليس للتداول السياسي .
وبما اننا اليوم نتحدث عن الاستفتاء الكوردي أو الرفراندوم فيجب أن نبدأ من نقطة (حرب داعش) :
فإذا اعتبرنا الدواعش أداة لتحقيق مآرب من صنعهم فإننا نستغرب كيف وصل هؤلاء بغمضة عين إلى الموصل، وتآمر المالكي مع الإيرانيين لتسليمهم المحافظة بالكامل في العاشر من حزيران 2014 .
كان الهدف العراقي التالي هو وصول الدواعش إلى كوردستان وتحقيق الرغبة الشوفينية الإيرانية و العروبية في وقت كان هذا الهجوم لو نجح لمنع وجود واستقلال كوردستان إلى ما شاء الله، ولذلك اضطر الكورد إلى فتح جبهة طولها 1050 كيلومتر ضد الإرهابيين.
بدأ العدوان من شنكال ضد الإيزيديين الكورد حتى جبال همرين في أقصى جنوب شرقي الإقليم، هدفه التشكيك بقوة البيشمركة وضرب العلاقات الأخوية بين أبناء الكورد حيث ما زالت تردد حتى الآن بعض الأطراف الكوردية بتشكيك في دفاع البيشمركة عن الايزيديين يوم احتلال شنكال 3 آب 2014 ، دون أن يذكر اسم ال ب ك ك ، متغاضين عن حقيقة معاناة البارزانيين في حل هذه الإشكالية، من جبهة سحيلة إلى حوض زمار إلى جبال شنكال 30 أيلول 2014 رغم أن (الحكومة العراقية لم ترسل مجرد طلقة واحدة للإقليم) ، بل كانت تضع العراقيل في وقت كان الإقليم يتحمل ضيافة مليون وستمئة ألف نازح من العراق وسورية، في حين لم تساعد حكومة بغداد في إيواء اللاجئين و امتنعت كذلك عن دفع الاستحقاقات التي لكوردستان، ولا ينسى أن يذكر (بدون تسمية بيشمركة كوردستان سورية) أنه كان عدد كبير من المواطنين المتطوعين يتواجدون في جبهات القتال.
في فقرة (خيبة أمل الكورد في العراق الجديد) ، يستخلص بأن جميع الحكومات المتعاقبة على العراق من عبدالكريم قاسم وقبله داومت على اضطهاد الكورد وخيانتهم رغم تغير الأسماء والأشخاص منذ العصر الملكي والجمهوري والعهد البعثي الذي عرّض الشعب الكوردي للإبادة.
ومنذ 2010 في العراق بدأ توجّه الحكم نحو الدكتاتورية وفقد الشعب الكوردي الأمل بالفدرالية بعد العرق الجديد في 2003 ، في الوقت الذي نجحت تجارب الفدراليات والتقسيم على أساس عرقي وقومي يقول: (لماذا لا نكون جارين نكمّل بعضنا في مجالات التنمية وننهي الكوارث والمشكلات المعقدة).
رغم أن العراق دولة بنفط كوردستان واشترت أسلحة به وحاربت الكورد ودول الجوار فأنها ما تزال توسع قواعدها الشعبية عن طريق معاداة الكورد وبث الشوفينية وإيقاف تقدم الحياة والإعمار في الإقليم.
وفي ظل فقدان الأمل بالتعايش المشترك طرحت عدة مرات محاولات استفتاء، أولها في 2014 وتأخرت في عدة مناسبات تحت الضغوط الدولية والإقليمية، وبحجة محاربة داعش، ولكن ماذا كانت النتيجة، غير الاستمرار في وقف التمويل ووضع العصي في عجلة تقدم الإقليم.
أهمها خطوة تحضيرية كانت في مؤتمر ميونيخ 2 شباط 2015 حين طرح البارزاني مشروعه على ميركل وبايدن والعبادي حول موضوع الاستقلال، و لم يتوقف البارزاني عند هذا الاستمزاج الدولي بل توجه إلى مراكز القرار العالمي وخاصة أمريكا ومن ثم إلى الشريك العربي في بغداد، وفي هذه الفقرة يذكر زيارته التحضيرية للقاء ببايدن في أيار 2015 حيث حمل معه وفداً من جميع مكونات الإقليم وأحزابه المشاركة في الحكومة والبرلمان، وحاول أن ينتزع من إدارة أوباما الاعتراف بحق تقرير المصير وبقبول الاستفتاء، حيث أكد له آنذاك نائب رئيس الجمهورية بايدن (أنا و أنت نحن الاثنان سنرى في حياتنا وبأعيننا استقلال كوردستان).
ولم يكن الرئيس والزعيم البارزاني في نفس الوقت مرتاحاً لتحركات بعض الأحزاب الكوردية رغم أن قوات البيشمركة كانت قد حررت كركوك في 2014 واستعادت بعض المناطق الكوردستانية المتنازع عليها بموجب المادة 140 . و في زيارة البارزاني إلى بغداد في أيلول 2016 بعد اندحار تنظيم داعش الإرهابي، ولقائه بجميع الأطراف والكتل السياسية العراقية بروح من التفاهم و ضرورة أن يكونوا شركاء بدلاً من متحاربين.
وفي لقاء سابق كان العبادي قد قال، بأن تقرير المصير حق بلا منازع ، وعليها استعجل البارزاني في المبادرة بإجراء استفتاء، والتوصيت على استقلال كوردستان، ومن جهة أخرى اكد الرئيس مسعود بارزاني بأننا فشلنا في الشراكة خلال مرحلة حكم السنة و الشيعة العراقيين رغم أننا أتينا بهم للحكم.
و في فقرة (قرار إجراء الاستفتاء ) ، نجد أن البارزاني قد وصل إلى نقطة اللا عودة بعد مجموعة خروقات و ممارسات النظام في بغداد سواء في تآمره بالاستيلاء على شنكال أو قطع رواتب الموظفين لخنق الإقليم، وخرق الحكومة العراقية لخمس و خمسين مادة من الدستور.
بعد كل هذه التخوفات والجولات السياسية وبناء على اجتماعات سابقة بين الحزبين الرئيسيين البارتي والاتحاد الوطني في شهر نيسان 2017 صرح الحزبان عن هدفهما في استفتاء خلال نفس العام ، وبعدها تقرر في 7 حزيران في اجتماع تاريخي حضرته جميع الأحزاب الكوردستانية في الإقليم وممثلو المكونات جميعها، فقرروا إجراء الاستفتاء في 25 أيلول 2017 و تم تشكيل هيئات وآليات إدارية لتنفيذ الاستفتاء في وقته بما فيه المناطق الكوردستانية خارج إدارة حكومة الإقليم.
وبنفس الوقت اتفق الحاضرون على تفعيل البرلمان الذي كانت قد توقفت اجتماعاته وإنهاء الخلافات البينية، والحق يقال هنا، أن الفترة لم تكن كافية على ما يبدو لإعادة اللحمة و التفاهم العميق بين الأحزاب الأساسية الكوردية.
وتم تشكيل المفوضية العليا للانتخابات لتنفيذ القرار وإرسال الوفود إلى المناطق وكركوك، وتشكّل المجلس الأعلى للاستفتاء من سبع لجان فرعية لتسهيل المهمات.
وهنا اشتعل الحقد العروبي العراقي ضد الاستفتاء وكذلك الإيراني والتركي، حيث رئيس هيئة الأركان العامة للقوات الإيرانية محمد باقري يجتمع مع أردوغان في أنقرة يوم 16 آب 2017 ليتفقوا على قرار قوي ضد الاستفتاء . وفي بدء الحملة الانتخابية يوم 5 أيلول أطلقت حكومة العبادي الذي أتى به الكورد سابقاً ، أعلن بأنه (مستعد للتدخل عسكرياً إذا أسفرت النتائج عن استقلال إقليم كوردستان ) .
وتغيرت فجأة اللعبة الدولية ضد الإقليم ، حيث أرسل وزير الخارجية الأمريكي رسالة مضادة للاستفتاء و كذلك خارجية بريطانيا و كذلك اتصال الرئيس الفرنسي ماكرون، وكانت جميعها متشابهة .
و أشار السروك مسعود بارزاني هنا ( ما البديل الذي تقترحونه؟؟!!) ، فلم يقدم له أي بديل أو دعم لاحق أو وعد سياسي ، و في هذا الصدد أيضاً يشير الرئيس بارزاني (بأن الذين أصروا على إدخال كركوك ضمن الاستفتاء هم الذين تسببوا لاحقاً بأحدث السادس عشر من أكتوبر) و يعني هم أنفسهم الذين سلموا كركوك.
للموضوع بقية ..