القبلية والعشائرية في المجتمع الكوردي

القبلية والعشائرية في المجتمع الكوردي

محمد طه صالح حسين

أمتـنا ومجتمعـنا الكوردي كغـيره مـن الأمـم والمجتمعات المجـاورة يتّسم بِسـمَة العشائرية والقَـبَلية مُـؤثراً فيهم ومُـتأثراً بهم كل ذلك يبـقى مَـرهوناً بمـدى التـواصل والعـلاقات والاختـلاط والعيش المشترك مع تلك المجتمعات والشعوب لِـــذا نَـــودُّ أن نُسلّط الضوء قليلاً على هذا الموضوع ونُبين دوره وتأثيره على مجتمعنا الكـوردي. قبل الخَـوض في ذلك لا بُــــد أن نعطي تعريفاً دقيقاً لكـل ٍ مـن مُـصطلـحي (العشيرة والقبيلة).
أولاً: العشيرة هي مجموعة من الناس تجمعهم القرابة والنّسَب ينتمون إلى أصلٍ واحد يأتمرون بأوامر شخص يدعى ( شيخ العشيرة ).
ثانياً: القبيلة هي جماعة بشرية تتكوّن من عدة عشائر أو بطون تنتشر وتسكن في بقعة جغرافية محددة لها لغة أو لهجة وعاطفة تجمعهم ويخضعون لسلطة (رئيس القبيلة).
للحقيقة نقول: بأنّ ظاهرة العشائرية والقبلية موجودةٌ في مجتمعاتنا وهي ليست وليدة اليوم والأمس بل هي من نتاج وإفرازات التاريخ القديم يمتد إلى آلاف السنين شأننا شأن الأمم والأقوام الأخرى، وما لا يخفى علينا بـــل يجب أن نقــرّ ونعترف بالدور الإيجابي الذي لعبته تلك العشائر والقبائل الكوردية عـبر مراحل التاريخ، وذلك من خلال تحقيق الانسجام وتَـوطيد العلاقات الاجتماعية والإنسانية ونشر الحـوار والتسامح وإغـاثة المظلوم وتحقـيق العـدل والحفـاظ على القـيم الإنسانية النبيلة من الكَـرم والشجاعة والأمانة والوفاء.... في مجتمعاتنا بل وأكثر مـن ذلك، كان البعض من تلك القبائل والعشائر الكوردية هي المحرّك الأساسي في حركة النضال التحرري وضحّت بالغالي والنفيس من أجل الدفاع عن أرض الوطن ضد الأعداء والغاصبين وحماية المجتمعات الكوردية من الانقسام والتشرذُم، وكان الكثير من زعمائها ورؤسائها هم قادة الثورات وجنودها // لطفاً // نذكر منهم على سبيل المثال لا الحصر / القائد الخالد الملا مصطفى البارزاني/ ومَـن سَبَـقه أو الذين أكملوا المسيرة من بعـده كالقائد / مسعود البارزاني / والبارزانيين الـذين أخذوا على عاتقهم مهمة النضال والــذّود عن حياض الوطن على مَدى أكثر من قـرن. لـكـن الشيء الذي يجب ألا يغيب عن أذهاننا وفـي ظل الدولـة الحديثة التي يُنـظٍّمها الـدستـور ويحكمها القانــون وظهـور الديمقراطـية وتأسيس الأحــزاب ووجـود التقــدّم التكنولوجي وعـصر المعلـوماتية هـــو أن لا تتحوّل ظاهرة العشائرية والقبلية إلى ( حصان طروادة ) فتُغـيّر الموازين وتقلب الأمور رأساً على عَـقب، وبالتالي يصبح عائـقـاً أمـام تطوير الفكـر لـدى الانسان الكوردي وابتعاده عن التفكير الموضوعي السليم وخاصةً إذا مـا عَـلِـمـنا بأنّ هُــناك الـكثير مـن المتسلقين والانتهازيين الـذين يصطادون فـي الـماء العــكر ويريدون أن يسرقـوا ثمرة عمل ونتاج غيرهـم وأن يحرفـوا القطار عن السكة بدعواتهم وشعاراتهم الرنّانة ويبذلون قُصارى جهدهم لأجـل تَـهمـيش الفــئات الـواعــية المُـثقـفــة فــي مجتمعـنا وهَـــدرِ خـبراتهـم وامكـاناتهـم وتحطيم معنوياتهم بِـحـجـج واهيـة وتحت مُسميات مُختلفة، وبالتالي قيامهم بإحداث الانقسام والفوضى داخل المجتمع الكوردي ومؤسساته، وذلك من خلال لجوئهم إلى التكـتل والتخـنـدق والسعي وراء المصالح الشخصية الضيّـقة على حساب المصالح العامة داخل التنظيم أو المؤسسة أو في المجتمع الكوردي رافضين كل ما هــو مُـتطـوّر ومُتـقـدّم بما يتـوافـق مـع الحَـداثة وقِـيَـمِـنا الأصيلـة، بل والأخطر من ذلك هو أن تصل وتتدخّل العشائرية والقبلية في أجهزة الدولة ومؤسساتها الرسمية، وهُنا نكون أمام مأزق حقيقي ومسألة خطيرة ومرض يفتك بالمجتمع لا يمكن القبول والسير به على هذا الوجه لأنّها تصطدم مع قيم الحداثة والتنمية والتقدم . مع ادراكنا التام بأنّ هناك أفكار ودعوات قائلة تُـروّج اليوم وتسيطر على عقول بعض الناس في مجتمعاتنا الكوردية بأنّ القيم العشائرية مُهـمّة ولا يمكن العيش بدونها إلا أنّها فـي الحقيقة ووفق تفكيرهم واسلوب تعاملهم مع هذه القضية تؤدّي إلى خَـلق المزيد من المشاكل والتناقضات و تُـنَافِس الديمقراطية والقـانــون وخـوفِـنا منهـا أن تتحـوّل إلى العصبية القبـلـية أو العشائـرية فَـتُـواليها وتُـنـاصرها ظـالِـمةٌ أو مَـظـلـومـةٌ فيكــون بذلك المسمـار الأخـير فـي النّـعش.