قراءة في كتاب" للتاريخ" للرئيس مسعود بارزاني
إدريس عمر
يتردد المرء الكتابة عن كتاب الرئيس السابق لإقليم كوردستان مسعود بارزاني" للتاريخ" لان مؤلف الكتاب كاريزما تاريخية، وبيشمركة وسياسي ورجل دولة من الطراز الأول، شخصية مجبولة بالخبرة والتجربة، مر بالمحن والمآسي، ومارس النضال منذ نعومة أظافره وإلى يومنا هذا، وهي شخصية مناضلة صادقة حمل همَّ شعبه ولا شك في نضاله الطويل، ولقد حقق الكثير للكرد في كوردستان العراق، وحاول في السنوات الماضية أن يُنشئ دولة للكورد، بعد أن وصل إلى قناعة أن الشركاء المفترضين لا يؤمنون بحقوق الكورد المشروعة، لذا قام باتخاذ قرار مع مجموعة الإحزاب الكوردستانية عندما كان رئيساً لإقليم كوردستان بإجراء استفتاء تاريخي في (25.09.2017)، لكن الدولة العراقية والدول الاقليمية رفضت إجراء الاستفتاء، ووقف المجتمع الدولي أيضًا ضد إرادة شعب كوردستان، وحاولوا بشتى وسائل الضغط للحيلولة دون إجراء الاستفتاء، لكن أصر الرئيس مسعود بارزاني بإجرائه ان لم يكن هناك بدائل عملية لحل المشاكل مع العراق وبضمانات دولية، لكنه لم يحصل عليها لذا تم إجراء الاستفتاء في موعده المحدد، وحقق الاستفتاء نتائج كيبرة أي صوّت الشعب الكوردستاني بنسبة (92,73%) بكلمة نعم للاستفتاءعلى استقلال كوردستان.
الكتاب تاريخي وثائقي مهم، يبدأ بإهداء معبر " إلى الذين لا ينحنون" ومقدّمة عن تاريخ الكورد وأقدميته في المنطقة، وكيف تم تجزئة وطنه باتفاقيات دولية، ويتحدّث عن تأسيس الدولة العراقية، وكيف تنصلت الحكومات المتعاقبة من الوعود التي منحتها للكورد منذ بداية تأسيسها بحقهم في الشراكة لا بل لم تكتف بذلك بل مارست أبشع وسائل الإجرام بحقه.
يتحدث عن نضال الكورد وثورة أيلول والانتفاضة، وخيبة أمل الكورد من العراق الجديد، وعن حرب داعش، والاستفتاء والمواقف الدولية، ويحث الشعب الكوردستاني وأجيال المستقبل بالاعتماد على الذات عندما يقول: "إذا لم تكن أنت، ولم تعتمد على ذاتك وأهلك وقداراتك، ستحسب وكأنك غير موجود".
كما يبيّن بوضوح تام أن منطق القوة والمصالح هي التي تحرّك المعادلات في العلاقات الدولية، وليست القيم ومبادئ الحقوق والعدالة.
الكتاب قيّمٌ، وفيه الكثير من العبر والدروس يستخلص من تجربة المؤلف نفسه خلال نضاله الطويل كشخصية نضالية مؤثرة ذات وزن كبير في المنطقة والعالم، ويمتلك شبكة علاقات دولية مع أصحاب القرار في أروقة السياسة العالمية.
كما يتضمّن الكتاب بين دفتيه العشرات من الخرائط التي تشير إلى جغرافية كوردستان والكثير من الوثائق حول الاستفتاء والمواد الدستورية التي بموجبها يحقُّ للشعب الكوردستاني إجراء الاستفتاء في حال عدم التزام أحد الاطراف بالدستور.
وما شدَّ انتباهي عن حرب داعش يقول مسعود بارزاني: «بعد أن احتل داعش مدينة الموصل في العاشر من حزيران/يونيو عام (2014)، تقدّم بسرعة نحو وسط العراق، واقترب من بغداد، ولكن بشكل مفاجئ غيّر اتجاه معركته نحو كوردستان، وهاجم كوردستان. هذا الموضوع أصبح سراً كبيراً من أسرار حرب داعش، لماذا هاجموا كوردستان؟ هل كان ذلك الهجوم منسجماً مع رغبات الكثير من الأطراف الشوفينية في المنطقة؟ أم اعتقدوا أن هجوم داعش سيكون خطوة لمنع استقلال كوردستان وتطوّرها؛ لأن لكوردستان موقع استراتيجي وغني بثروات المياه والنفط، وربما كان ذلك سبباً ليطمع فيه داعش، ويحاول احتلاله".
لذا توقفت عند هذا الموضوع لأهميته وجعلته عنوانا لأحد فصول كتابي الذي سيصدر قريباً تحت عنوان (الكُرد والإرهاب).
لماذا هاجم تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) كوردستان؟ وهذا هو تحليلي للموضوع.
هذا السر الذي يتكلم عنه البارزاني يحتاج إلى مزيد من التحليل والبحث، فلمصلحة من أُنشئ داعش؟ ولمصلحة من حاول أن يحتلّ كوردستان، ويدمّر مدنه وقراه؟ ولمصلحة من يحارب تجربة كوردستان الديمقراطية الفتية؟ ولمصلحة من يُهَجَّر الكورد مرة أخرى، ويصبحون كورد الجبال؟
سنحاول بموضوعية أن نجيب عن هذه الاسئلة لكشف هذا السر بقراءة واقعية للأحداث التي رافقت مجيء داعش وما قبلها.
للعودة قليلاً إلى الوراء، إلى مرحلة زوال النظام السابق في العراق عام (2003)، وبداية مرحلة جديدة في العراق، سُنِحَت للكورد فرصة تاريخية استطاعوا استغلالها بشكل جيّد من خلال تحقيق مكاسب قومية كبيرة، وتثبيت الفيدرالية في الدستور العراقي الجديد، وأصبحوا شركاء في العملية السياسية رغم بقاء بعض المشاكل مع الحكومة الاتحادية.
أصبح الكورد شركاء أقوياء في العملية السياسية، وأصبحت أربيل مركزاً لعقد الاجتماعات والاتفاقيات بين القوى السياسية العراقية، وأُبرم العديد من الاتفاقيات على يد الكورد.
وعلى المستوى الاقتصادي حقّق إقليم كوردستان نمواً كبيراً وتطوُّراً عمرانياً معقولاً بسبب الأمن والاستقرار، اللذين يتمتع بهما، وفتح مطارات دولية ربطتهم بالعالم الخارجي بشكل مباشر بخلاف المناطق العراقية الأخرى التي تئنُّ تحت وطأة الوضع الأمنيّ الهشّ، وهجمات الجماعات المصنفة على قائمة إرهابيّة التي عطلت عجلة الحياة فيها.
وقامت القيادات السياسية بتثبيت الأمن والاستقرار في المحافظات الكوردية الثلاث، وأبعدتها إلى حدَّ ما عن هجمات الجماعات المصنّفة على الإرهاب، ممّا أدى إلى أن يصبح الإقليم بوابة سياسية واقتصادية وثقافية لكلَّ العراق..
وعلى الرغم من وجود مشاكل حول قطاع النفط استطاع الكورد أن يبرموا العديد من الاتفاقيات النفطية مع كبرى الشركات الأجنبية مع إكسون موبل وتوتال وشيفرون وكازبروم والعديد من الشركات الأخرى.
ويقول المسؤولون الكورد: إنّ النفط كان على الدوام لعنة عليهم لقيام الأنظمة العراقية السابقة بشراء الأسلحة به لضرب الكورد، الا أنّ النفط بعد عام (2003)، أصبح نعمة لهم وأصبحوا يبنون سياستهم عليها مع الحكومة الاتحادية في بغداد، وبحسب إحصائيات وزارة الثروات الطبيعية في حكومة الاقليم فقد أبرموا لحد الآن (50) عقداً مع الشركات الأجنبية، وحققوا الكثير من المكاسب على كافّة المجالات، سواء كان في مجال الاستثمارات واستقدام الشركات الأجنبية، أما في قطاع السياحة، إذ شهد الإقليم العديد من المشاريع السياحية في مجال بناء الفنادق ذات الخمسة نجوم، كما شهد الوضع الصحي تطوُّراً في بناء المستشفيات الأهلية بالإضافة إلى مشاريع صناعية وزراعية صغيرة وقطاع المصارف، أما في الجانب الثقافي، فلعل اختيار مدينة أربيل كبرى مدن الإقليم وعاصمته، من قبل الدول العربية لتكون عاصمتهم السياحية لعام (2014) من أبرز الأحداث التي شهدها الاقليم.
بالمقابل ماذا حقق العراقيون بعد عام (2003)؟ صار العراق ساحة للقتل والعنف الطائفي وتصفية الحسابات، كما شاعت عمليات القتل والتهجير القسري للمدنيين من جانب مقاتلين من السنة وفصائل شيعية، وتعرضت أقليات دينية لتهديدات كانت كافية لرحيل أفرادها جماعياً إلى كوردستان أو إلى خارج البلاد.
تفشت حالة كبيرة من فوضى أمنية وسياسية وأزمات اقتصادية واستشراء الفساد، وتردّي الوضع الاقتصادي، وانتشار البطالة، وسيطرة الجماعات المسلحة على مناطقهم. ناهيك عن الفشل وخيبة الأمل في بناء دولة المواطنة، ما دفع الساسة إلى انتماءاتهم المذهبية والعشائرية كبديل عن الهوية الوطنية العراقية. حيث اتسمت الحياة السياسية العراقية والتنافس السياسي على السلطة بصبغة طائفية، اتضحت من خلال ظهور الأحزاب السياسية والتحالفات الانتخابية في العراق على أساس ديني مذهبي، مثل حزب الدعوة والمجلس الأعلى للثورة الإسلامية في العراق والتيار الصدري وتحالفهم الانتخابي (الائتلاف العراقي الموحد).
كما بدأت تستمد هذه القوى السياسية شرعيتها من المجتمعات التي تمثلها مذهبياً، وهو ما أضعف مفهوم المواطنة في العراق، وظهرت خطابات سياسية تشير إلى توجُّه هذه الأحزاب لحشد أتباعها من الطائفة المذهبية أو الطائفة القومية لتحقيق أهدافها السياسية..
انعكست ممارسة الطائفية السياسية في السياسات، التي اتبعتها الحكومات العراقية بعد انتخابات (2005) التي أخرجت حكومة ألفها تحالف الإئتلاف العراقي الموحد وانتخابات (2010) التي ألّف حكومتها حزب الدعوة تؤكد سعي السلطة السياسية الجديدة في العراق على الهيمنة والبقاء في الحكم كممثل لطائفة الأغلبية (60% من الشعب العراقي ينتمون للمذهب الشيعي) وتهميش الطائفة السنية والكورد. فقد تم تعيين كبار قادة الجيش ومسؤولي وزارة الإعلام وكبار أجهزة الدولة من الطائفة الشيعية، وتم توسيع سلطات رئيس الوزراء ومستشاريه وسط تمييز ضد الطائفة السنية والساسة العراقيين بتهمة الانتماء لحزب البعث وبتهمة الإرهاب، بالإضافة إلى المماطلة في دفع مستحقات حكومة إقليم كوردستان من إيرادات النفط العراقي وتراجع الحكومة عن اتخاذ إجراءات المصالحة الوطنية بين الأطراف العراقية.
ولعبت السياسة الخارجية الإيراينة في العراق دوراً محفّزاً لتطور الظاهرة الطائفية السياسية، حيث تركزت السياسة الخارجية الإيرانية في العراق بعد (2003) على تقويض أي نظام سياسي عراقي جديد حتى لا يمثل لها أي تهديد أمني مماثل لتهديد نظام الرئيس السابق صدام حسين ومنع ظهور نموذج سياسي ديني ناجح في العراق، قد يعدّ بديل النظام السياسي الإيراني في المستقبل.
واستخدمت الحكومة الإيرانية أدوات سياستها الخارجية والعسكرية والثقافية والدينية لتفعيل هذه السياسة وتطبيقها في العراق، التي تمثلت في:
1 - توفيرالاستشارات للأحزاب العراقية الشيعية مثل حزب الدعوة الإسلامي، الذي يتبنى أفكار "الثورة الإيرانية"، والمجلس الأعلى الإسلامي العراقي، ومجموعات أخرى.
2- توفير الدعم المالي والعسكري والتدريبي اللازم بواسطة قوات الحرس الثوري الإيراني للمليشيات الشيعية العراقية المسلحة التي أنشئت أثناء الحرب العراقية الإيرانية (1980-1988) ثم عادت إلى العراق بعد (2003) مثل ميليشيات بدر(الجناح العسكري للمجلس الأعلى الإسلامي العراقي) والكتائب الأخرى مثل كتائب عصائب الحق وكتائب حزب الله العراقي وكتائب الإمام علي. وقد استغلت الحكومة الإيرانية دخول تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) الإرهابي إلى مدينة الموصل وغاراته على مدينة بغداد عام(2014) في تجميع المليشيات الشيعية تحت قيادة الحشد الشعبي التي أصبحت جزءاً من وزارة الداخلية العراقية، إلا أن هذه القوات تستمد قوتها العسكرية والسياسية من قادتها وقوات الحرس الثوري الإيراني، وليس من وزارة الداخلية العراقية.
3- الترويج للنموذج الإيراني في التشيُّع والأفكار الإيرانية المتعلقة بمبدأ ولاية الفقيه، وجذب أكبر عدد ممكن من الأئمة للدراسة في مدينة "قم" بديلاً عن مدينة "النجف" عبر منح دراسية متعددة، بالإضافة إلى محاولتها التأثير في أعمال المؤسسات التابعة للمرجعية الدينية العليا في العراق (آية الله علي السيستاني) وإنشاء الحوزات المختلفة كشكل من أشكال القوة الناعمة لمدينة قم الإيرانية ومرجعيتها. وبذلك جعل إيران العراق تابعاً له من خلال القيادات الشيعية ومليشياتها المذهبية والطائفية.
والتطوُّر الذي حصل في كوردستان لم يَرُق للقيادات العراقية الشوفينية (وبعض الدول الاقليمية المحتلة أجزاء من كوردستان)، وأصبح العراقيون يشعرون بعقدة النقص تجاه تجربة الإقليم، ويُتَّهمونه بالفساد من قبل فئات الشعب العراقي الذين يعانون الفقر المدقع في بلد غني بثرواته الطبيعية، وخوف الدول الاقليمية من أن تنتقل عدوى الفيدرالية والتحرر الكوردي الى بلدانهم. لذا لم يتمنوا الخير لشعب كوردستان، لذلك دعموا تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) للقضاء على الحلم الكوردي. وكانت هذه مناسبة لإعطاء فرصة لطهران لإظهار أهميتها ونفوذها في الشرق الاوسط؛ فالحملة التي أطلقتها إيران ضد داعش هي تذكير للعراقيين بأن جارهم الأكبر هي الجهة الفاعلة الأقوى في بلادهم، ولربما أكثر قوة من الولايات المتحدة الأمريكية أو أي دولة عربية. كما أن دور إيران في العراق هو لَيُّ مباشر للمملكة العربية السعودية وتركيا والدول السنية الأخرى التي تتنافس مع إيران على السلطة في الشرق الأوسط.
زيادة على ذلك، تودُّ طهران أن تذكر دول العالم الأخرى، خاصة الدول العظمى مثل الصين وروسيا والاتحاد الأوروبي، أن الدولة الإسلامية هي لاعب أساسي في الحفاظ على الاستقرار في المنطقة أو زعزعته، وسيسهم ذلك ليس فقط في الحد من عزلة إيران على الصعيد الدولي، أنما أيضا في تقويتها في المفاوضات مع الدول الخمس زائد واحد (أي الصين وفرنسا وروسيا والمملكة المتحدة البريطانية والولايات المتحدةالامريكية إضافة الى المانيا).
ودلَّ الباحثون على ذلك بكثير من المؤشرات، من بينها تجاهل البغدادي لإيران في خطاباته، رغم أنه ذكر دولاً كثيرة منها إسلامية، ورغم الاختلاف الايديولوجي بينهما، إضافة إلى استهداف الشعوب العربية والإسلامية، وتفخيخ المساجد، وهي نفس اتجاه إيران، ويصب في مصلحتها المباشرة.
وربما يبقى المؤشر الأخطر هو أن داعش وصلت لحدود إيران ولم يتقدم لاختراق الحدود الإيراينة برغم فراغها الأمني المعروف، وكذلك في سوريا لم تستهدف داعش أياً من المليشيات الإيرانية الطائفية، ولا جيش الأسد. والسؤال الذي يطرح نفسه:
لماذا لم يسقط نظام الأسد براميله المتفجرة على الدواعش في حلب والرقة ودير الزور وغيرها بدل من إسقاطها على المدنيين؟ وربما دفع ذلك محللون للتأكيد أن داعش لم تكن مخترقة من إيران فقط، بل إنها تابعة لها، وتنفذ أجندتها واستراتيجيتها وخططها في الداخل العربي.
وكانت خريطة انطلاق داعش وانتشارها مؤشراً جاداً على تبعيتها لإيران، فمنذ بدايتها في العراق استهدفت المحافظات والمدن السنية فقط، ورغم الاختلاف الايديولوجي المفترض لم تقترب من المحافظات الشيعية التي تسيطر عليها المليشيات الإيرانية، بل تغلغل التنظيم الارهابي في «الأنبار والرمادي والفلوجة» ولم يتجه نحو «كربلاء أو النجف» مثلاً رغم أنهما مدينتان شيعيتان على الحدود مباشر جنوب الأنبار.
تبدو الغايةُ واضحةً من تحويل تهديده باجتياح بغداد، إلى التهديد باجتياح كوردستان، وهي إعطاء الشرعية للقوات الإيرانية لدخول العراق بحجة حماية المقدسات الشيعية، كما فعلوا من قبل في سوريا، للاستحواذ عليه وعلى مقدراته، هذا من جهة، و من جهة أخرى اعتبار الكورد عدواً للحكومة الشيعية، و وضعهم تحت مطرقتهم وسندان داعش.
مازالت كوردستان مستهدفة من الايرانيين وأزلامهم العراقيين، يحبكون المؤامرات ضدها، خاصة بعد أن رفض الزعيم البارزاني طلباً لرئيس مجلس الشورى الإيراني علي لاريجاني بعد الثورة السورية أن يزور البارزاني دمشق، ويلتقي بشار الأسد، وأيضاً رفض إعطاء الايرانيين ممرا برياً «كاريدور» دائماً عبر إقليم كوردستان لربط إيران بسوريا ورفضت القيادة الكردية أية وصاية، وأية هيمنة عليها وعلى منطقتها.
ولا ننسى أهمية طريق الحرير الذي بدأت الصين بإحيائه وربطه بين قارات آسيا وإفريقيا وأوروبا، ويمر عبر (56) دولة بما فيها إقليم كوردستان. ترى إيران في طريق الحرير فرصة لحل مشاكلها. فإذا استطاعت أن تكون ممراً دولياً رئيسياً في هذا الطريق، فسوف تعرقل مساعي فرض عقوبات اقتصادية عليها وستعزز من نفوذها الإقليمي سياسياً.
تجسّد كلّ هذه الأفعال في ممارسات حكومة المالكي المرتبطة بإيران من حيث عدم تجاوب نوري المالكي رئيس الحكومة آنذاك مع تحذيرات البارزاني المبكّرة بوجود خطر سقوط الموصل من قبل الإرهابيين، لكن نوري المالكي لم يهتم بذلك التحذير، وفي النهاية سقط قسم كبير من غرب العراق ومحافظات الوسط تحت سيطرة داعش.
والأنكى من ذلك تم قطع ميزانية الإقليم وعرقلة وصول المساعدات العسكرية التي كانت تُرسل من بلدان العالم إلى البيشمركة. ولم يكن مسموحاً للحكومة العراقية بالهجوم على كوردستان مباشرة وذلك بسبب السياسة العالمية والاتفاقية الاستراتيجية مع أمريكا.
لأن إقليم كوردستان يتمتع بالاستقرار النسبي والأمني والتنمية الاقتصادية والتعددية السياسية، وبهامش من الحرية للمجتمع المدني في منطقة مؤبوءة بالصراعات المذهبية والقومية، ومصالح أمريكا تتطلب أن يكون لهم شريك حقيقي يحافظ على هذه المصالح. والكورد هذا الحليف والشريك الاستراتيجي لأمريكا والغرب في العراق والمنطقة، بدون مساعدة الكورد تخاطر أمريكا بخسارة موقعها في العراق والسماح لإيران بإحكام قبضتها على البلاد.
وتؤَمّن حكومة إقليم كوردستان لأمريكا، كما فعلت في مختلف المراحل العمق الاستراتيحي في بلد تزداد فيه هيمنة الجهات المعادية لالتزاماتها وقيمها، وباستطاعة الكورد تعزيز النفوذ الامريكي في العراق، وظهر ذلك جلياً عندما طالب البرلمان العراقي بخروج القوات الامريكية من العراق إثر اغتيال قائد فيلق القدس الإيراني قاسم سليماني وأبو مهدي المهندس نائب رئيس الحشد الشعبي العراقي بضربة جوية أمريكية، لكن الكورد رفضوا ذلك وأبدت الكتلة الكردية مع بعض النواب السنة موقف واضحاً وجريئاً، ولم يصوّتوا على القرار وانسحبوا من جلسة البرلمان.
والأمر الآخر هو عدم رغبة أمريكا وإسرائيل والدول العربية أيضاً بازدياد نفوذ ايران وتركيا الدولتين القويتين في المنطقة، ومن أجل خلق توازن القوى في الشرق الأوسط، يلعب الكورد هذا الدور، فلن تستقر المعادلة في المنطقة بدون حضور كوردي؛ ولذا تطالب أمريكا وأوروبا دائماً بأقليم قوي في العراق ويدعمون ذلك عملياً.
حاول رئيس الوزراء نوري المالكي أثناء ولايته الثانية محاصرة كوردستان بشتى الوسائل، ولكن لم يكن مسموحاً له بمهاجمة كوردستان، لذلك تم استخدِام تنظيم الدولة الاسلامية (داعش) لضرب الكورد وتحجيمهم ومحاولة الغاء تجربته الديمقراطية، ولاننسى دور تركيا العدو اللدود للكورد، التي كانت تدعم علانية داعش عسكريّاً ولوجستيّاً، وأصبحت المحطة الرئيسة لالتحاق آلاف من الإرهابيين من كافة دول العالم بتنظيم الدولة الإسلامية (داعش) في سوريا والعراق. ونتذكّر جيداً مسرحية اعتقال طاقم القنصلية التركية في مدينة الموصل، ثمّ الإفراج عنهم فيما بعد، ووصولهم معززين مكرمين إلى تركيا دون أن يجرح أصبع أحدهم. وكانت ترکیا المصدر الرئيس لتصدير نفط داعش واستيراد المواد الغذائية والبشرية لها في سوريا والعراق.
يقول الرئيس البارزاني "اعتقدوا أن داعش يستطيع النيل من الكورد، وأن الكورد لا يستطيعون المقاومة، وسيستسلمون بسرعة، لأنهم كانوا على علم بأن البيشمركة لا يملكون أسلحة جيدة، وإنهم محاصرون من قبل بغداد والعالم، مع ذلك كانت كوردستان تسير على طريق التقدم والازدهار.
إضافة إلى ذلك حاول داعش إخراج المناطق المتنازع عليها من تحت سيطرة الكورد بقوة السلاح وإنهاء وجود الكورد والمكونات الأخرى فيها.
هؤلاء كانوا ينتظرون هزيمة البيشمركة، لكي يسيطروا بسهولة على المناطق المشمولة بالمادة (140) من الدستور العراقي، كما كانوا يتوقعون أن يختار العالم السكوت تجاههم. وفي أثناء الاستفتاء وأحداث السادس عشر من أكتوبر، توصلنا إلى نتيجة مفادها أن الشوفينيين الذين ساعدوا داعش على النمو والاستقواء والتمدد، والذين دربوا الأعضاء المنتمين لداعش، والذين سلحوه وأمّنوا له الممرات الاستراتيجية، وشجّعوه على مهاجمة كوردستان في آب عام (2014)، كانوا قد استخدموا داعش كسلاح لإيقاف ازدهار واستقلال كوردستان".