الانتصارات الوهميّة
محمد رجب رشيد
طالب متفوّق اعتاد على تحصيل الدرجة الكاملة في جميع المقرّرات الدراسية، في أحد الامتحانات أضاع بِضع درجات، راجع نفسه وأعاد النظر بأسلوب دراسته لمنع فقدان أي درجة في الامتحانات القادمة. طالب آخر كسول رسب في صفِّه رغم نجاحه في بعض المقررات، تناسى الرسوب وتغنّى بالنجاح الجزئي الذي لا ينفعه بشيء، وربّما لا يبدِّل فرحته بفرحة الطالب المتفوِّق. مثل الطالب الكسول هنا كمثل محور المقاومة ومن يدور في فلكها، يرى النصر من زاوية ضيِّقة جداً بحيث يستطيع إدعاءه.
أمّا الطالب المتفوق فمثله كمثل الأنظمة الديمقراطية التي ترى النصر والهزيمة من جميع أوجههِما لمعرفة أسبابهما واستخلاص الدروس والعِبر منهما لأجل الحروب القادمة. للتوضيح أكثر لا بدّ من معرفة المعايير الحقيقية للنصر والهزيمة. النصر في أي حرب يُقاس بمدى تحقيق الأهداف السياسية التي كانت من أجلها الحرب إذا كنت البادئ بها، وبدون تحقيق الأهداف السياسية تكون مهزوماً مهما بلغت خسائر عدوك، فما بالك إذا كانت خسائره ضئيلةً جداً بالمقارنة مع خسائرك التي تفوقها بأضعاف مضاعفة، هذا إن كانت لديك أهداف سياسية أصلاً، وإلّا تكون بِحكُم المرتزق الذي يحارب من أجل المال لخدمة مشاريع الآخرين. وماذا لو فُرِضَت عليك الحرب؟ الأمر هنا يختلف بعض الشيء، تكون الخاسر الأكبر عندما تنهزم وتدّعي النصر بدلاً من الاعتراف بالهزيمة والإعداد لما بعدها، وتكون منتصراً بقدر ما تمنع المعتدي من تحقيق أهدافه السياسية مهما بلغت خسائرك، وخير مثال على ذلك الاتحاد السوفيتي الذي قدّم أكثر من عشرين مليون قتيل في الحرب العالمية الثانية وخرج منها منتصراً.
الانتصار والهزيمة وجهان لعملة واحدة هي الصراع بكافة أشكاله، وأي صراع -مسلّح أو سلمي- مهما طال لا بدّ أن ينتهي إمّا باتفاقية لا غالب ولا مغلوب فيها، أو بانتصار طرف على آخر. والنصر لا يُعدُّ نصراً إنْ لم يُترجم إلى مكاسب على الأرض للوطن والشعب. والهزيمة ليست نهاية المطاف، بل قد تكون بداية نصر قادم بشرط الاعتراف بها والإعداد لما بعدها، وذلك بمراجعة الذات والبحث عن أفضل السُبل لتحقيق النصر في الحروب القادمة. أمّا عدم الاعتراف بها فإنّه يعني شيئاً واحداً فقط وهو تكريس الهزيمة والقبول بنتائجها، ثمّ التعايش معها وكأنّها لم تكن، وهنا مكمن الخطورة!
إنّ إدِّعاء النصر لعبة خطيرة لا يُتقِنها إلّا مِن اعتاد على خِداع الشعوب للخروج من مأزق هزائمه المتكرِّرة، وذلك برسم سيناريوهات لانتصارات وهمية يزيد الطين بلّةً، فالمهزوم هنا ينقلب إلى بطل، والمُنقِذ قد يُتهم بالخيانة. ولا أدلُّ على ذلك من ثنائية -جمال عبد الناصر، محمد أنور السادات- فالأول كان بطلاً في نظر الكثير من المغفّلين رغم خسارته شبه جزيرة سيناء المصرية مرتين، الأولى كانت سنة ١٩٥٦م، وعادت إلى السيادة المصرية على أثر الضغوطات الأمريكية السوفيتية على إسرائيل للانسحاب منها. والثانية كانت على أثر هزيمة حزيران سنة ١٩٦٧م، وبقيت محتلّة إلى أن جاء خَلَفَه في رئاسة مصر محمد أنور السادات الذي تمكّن من إعادتها إلى السيادة المصرية دون حرب، فكانت مكافأته من جماعة الإخوان المسلمين اتهامه بالخيانة واغتياله.
لم تعُد الانتصارات الوهمية مقتصرة على مدّعي المقاومة فقط، بل توسّعت لتشمل بعض السلطات الحاكمة والمعارضات بكافة أنواعها، حيث قُزِّمت لتكون مرهونة ببقاء الكيان السياسي وقادته، وما دونهما مجرّد جزئيات لا قيمة لها. تلك الانتصارات ومثلها لا تعكس أي بطولة يمكن ترجمتها إلى مكاسب حقيقية على الأرض تماماً كالشيك الذي لا رصيد له في البنوك، والأمثلة على ذلك كثيرة في منطقتنا.
- هزيمة حزيران سنة ١٩٦٧م وصِفَت بالنكسة على اعتبار أنّها حالة مؤقتة لا بدّ من تجاوزها.
- أنهى صدام حسين حرب الخليج الأولى بعد ثماني سنوات بالعودة إلى نقطة البداية معلناً انتصاره دون تحرير شبر من الأرض. وفي حرب الخليج الثانية أعلن انتصاره في أمّ المعارك على أميركا التي قادت تحالفاً دولياً لطرده من الكويت.
- تجاهل حزب الله آلاف الضحايا وحجم الدمار الهائل الذي أصاب لبنان جراء بدء الحرب على إسرائيل سنة ٢٠٠٦م، معلناً انتصاره الربّاني بنهاية الحرب لمجرّد اعتراف إسرائيل بعدم تحقيقها نصراً حاسماً. وفي لحظة صدق نادِرة قال حسن نصر الله بعد وقف القتال: لو كنت أعلم أنّ الضحايا والخسائر ستكون بهذا الحجم لما بدأت الحرب.
- في حرب غزة الأخيرة أعلنت كل من حركة حماس والجهاد الإسلامي ومعهما جماعة الإخوان المسلمين الانتصار الإلهي على إسرائيل بإقامة الاحتفالات على جثث الضحايا من المدنيين وحجم الدمار الهائل الذي أصاب البنية التحتية لمدينة غزة. وخرج علينا يحيى السِنوار رئيس المكتب السياسي لحركة حماس قائلاً: إسرائيل كانت تخطط لقتل نصف عناصر حماس على الأقل، ولكنها فشلت ولم تقتل سِوى العشرات منها، دون أن يأتي على ذكر الضحايا من المدنيين والتي بلغت أكثر من ألفين بين قتيل وجريح، ناهيك عن حجم الدمار الهائل في مدينة غزة.
- في الكارثة السورية لم يعترف أي جهة بهزيمتها، الجميع اعتبر نفسه منتصراً حتّى غرِقت سوريا في بحر الانتصارات، وكل انتصار جاء باحتلال إلى أنْ تكسّرت أوصال سوريا وتشظّى شعبها.
- لم يجد قسد في سقوط منطقة عفرين سنة ٢٠١٨م بيد المحتل التركي سبباً كافياً لإعلان هزيمته والاعتراف بمسؤوليته عن السقوط، أو إصدار بيان للوقوف على كيفية سقوطها كأضعف الإيمان، اكتفى بوعود التحرير والعودة واستمرار مقاومة العصر، ومازالت منطقة عفرين تنتظر تلك العودة التي لن تأتي أبداً.
- يدّعي البعض أنّ حركة طالبان انتصرت على قوات التحالف بقيادة أمريكا لمجرّد انسحابها من أفغانستان، متجاهلاً بذلك خسائر الشعب الأفغاني خلال عقدين من الإحتلال.
ما أكثر الانتصارات في منطقتنا! وما أقل الانجازات! هذا إن لم تكن معدومة. معادلة غريبة بعض الشيء وغير متوازنة، إسرائيل التي يدّعي الجميع هزيمتها لم تخسر أي حرب منذ تأسيسها، بل تزداد قوة مع كل هزيمة. إذا كان الأمر كذلك فلا بدّ من البحث عن الحَد المفقود في المعادلة السابقة وإعادة موازنتها ليتوضّح أنّ الخاسر الأكيد والوحيد هو الشعب فقط ولا أحد غيره.
نعم الكل منتصر على الشعب! انتصر جمال عبد الناصر على الشعب العربي، وانتصر حزب الله على الشعب اللبناني منذ عقود، وجعل من لبنان رهينة بيد إيران. وحماس يُجدِّد انتصاره على الشعب الفلسطيني بين الحين والآخر. أمّا ب ك ك فإنّه ينتصر على الشعب الكوردي كلّما ظهر في الأفق بارقة أمل بتقدُّم القضية الكوردية في إحدى الأجزاء، أو كلما طُلب منه ذلك. وفي سوريا انتصر الجميع على الشعب المغلوب على أمره. أمّا في أفغانستان فقد انتصر كلٌ من أمريكا والحكومة الأفغانية السابقة وحركة طالبان وتنظيم القاعدة على الشعب الأفغاني. لو كان النصر هكذا لكان رخيصاً وخجِل المرء منه!