للتاريخ: تحت المجهر .. مخاض مشروع كوردستان بين ماض وحاضر ومستقبل
إبراهيم اليوسف
تنطلق هذه المراجعة، لكتاب الرئيس مسعود بارزاني، والمعنون بـ«للتاريخ» والذي قدمنا فيما سبق مقدمة عامة، ومدخلاً إليه، من اعتبار الكتاب تفاصيل ويوميات الحدث الكوردستاني الكبير، من وجهة نظري كقارىء، بمعنى أنه إذا كان- الريفراندوم- الوثيقة التي حصل عليها الكوردستانيون، ولا يمكن لكل الأسلحة الفتاكة محوها، فإن لها كتابها الذي لايفتأ المؤلف يقدم لنا إضاءة كاملة، عبر بجكتورات كاشفة، تبين الكثير الذي ينتظره المعني بهذا الحدث الاستثنائي في تاريخ إقليم كوردستان، بخاصة، وكوردستان، بعامة، كمنجز غير مسبوق، في التاريخ المعاصر، في أقل تقدير!
ولعل تناولَ هذا الحدث، من قبل أي منصف جدّ ضروري، لاعتبارات تتعلق بوجود الكردي فوق ترابه، إذ إننا رأينا بأمات أعيننا كيف أن قوى الشر التي لا تريد الخير للكرد، بل لا تتورع عن السعي لإزالتهم من مسرح خريطتهم، ومكانهم، أعلنت النفيرفي مواجهة هذا الحدث: تضليلاً إعلامياً، وتحريضاً ضد هذا المشروع وصانعيه، وذويه، لينخرط ضمن جوقة هؤلاء، على اختلاف مللهم، ونحلهم، بعض أبناء جلدتنا، ولقد تناهت إلى الأسماع أصداء اعترافات أبعاض هؤلاء الحاقدين:
لن نقبل باستقلال يصنعه الرئيس مسعود بارزاني
رغم إن الرئيس بارزاني، ذاته، وعبر تصريحاته، عشية الريفراندوم، وخلال تنفيذه، وبعد ذلك، عد إقرار الريفراندوم- نتاج اتفاق كوردستاني- يسرد تفاصيله خلال صفحات الكتاب، إلا إن الخطير هنا أمران:
عمى الحقد الذي يعاني منه أعداء الريفراندوم حتى من يعد من ضمن الموقّعين عليه، ولو انتماء ما انقلاب هذا الأنموذج، حتى على ذاته، واستعداده لإغراق المركبة الكبرى التي تحمل المختلف معه، فيما يبزّ ثقافة- الانتحاري-
من هنا، فإنني لأعد، في قراءتي، هذا الكتاب جدّ مهم، من خلال اعتماده الوثيقة، والأرقام، والتواريخ، فيما يخص- الريفراندوم- إذ يضع مؤلف الكتاب مدوّنة هذا الحدث الكبير، بين أيدينا، وهو ترجمة مزيدة، مكثفة، لتصريحات ومقابلات تمت، معه، من قبل، وقد تابعنا أكثرها، وفي هذا ما يؤكد قيمة المدوّنة، في زمن الصورة.
ولعل جل ما أقوم به، خلال هذه المراجعة تقديم خلاصات فصول الكتاب، في إطار التفاعل البانورامي، مع عالم الكتاب، الذي لم يغفل عن ذكر بعض من التاريخ، والمذكرة، والوثيقة، لإغناء كتاب، تكمن أهميته من أنه شهادات مؤلفه الذي استطاع وبحق أن يكون مهندس الحدث، من جهة، إضافة، إلى ما يتضمّنه من وثائق وحقائق تنشر- ربما للمرة الأولى- وإن راح المؤلف- ونتيجة طبيعته والتزامه بقيمه العالية، ينأى عن تسمية بعض من تورطوا وتواطؤوا وكانوا أداة مناوأة هذا المنجز، وإن خاب صنيع هؤلاء جميعاً، أفراداً، وجهات، باعتبار يوم الخامس والعشرين من أيلول غدا جزءاً من التاريخ الكردي، ووثيقة وطن، صار ينتظر الساعات القليلة لإعلان استقلاله الذي أجل إلى وقت آخر، هو آت، في النهاية، وهو يلوح بوثيقته التاريخية التي لن تنال منها كل مدافع الأرض وطائرات الأعداء، ومفخخات الأقربين!
الفصل الأول:تجزئة كوردستان
عنون السيد الرئيس مسعود بارزاني الفصل الأول من كتابه ب "تجزئة كوردستان" إذ يتحدث في هذا الفصل عن تجزئة كوردستان وفق تسلسل تاريخي، بدءاً من معركة جالديران عام ١٥١٤ بين الإمبراطوريتين العثمانية والصفوية ومعاهدة زهاو عام ١٦٣٩ لتقسيم أرض كوردستان بينهما، ويبين دور الثورات والانتفاضات الكردية في التصدي للظلم كأحد خواص الإنسان الكردي.
كما يتناول دور الشيخ عبد السلام البارزاني في الدفاع عن الحقوق القومية للشعب الكردي إذ إنه: في ربيع ١٩٠٧ وخلال اجتماعه مع رؤساء العشائر والوجهاء الكرد في منزل الشيخ نورالدين محمد البريفكاني، تم إقرار توجيه برقية إلى السلطان العثماني تضمنت مطالب الكرد بشأن حقوقهم.
وفي نهاية سنة ١٩٠٧ وبأمر من الشيخ عبد السلام البارزاني تفرّد البارزانيون، بدفاعهم عن المنطقة متصدين للقوة العثمانية بقيادة محمد فاضل باشا داغستاني. حيث استمروا في المقاومة لمدة شهرين، وفي النهاية أرغم الشيخ على ترك المنطقة واللجوء إلى" مار شمعون الآشوري" ووصل داغستاني إلى بارزان وأحرقها، وأسر الراحل الخالد مصطفى بارزاني الذي كان عمره- آنذاك- ثلاث سنوات مع والدته وسجنا في سجن الموصل لمدة سنة واحدة.
كما يستعرض عودة الشيخ عبد السلام البارزاني إلى منطقة بارزان عام ١٩٠٨ والتحضيرات التي تمت للهجوم على الجيش العثماني وإلحاق خسائر كبيرة به، ما اضطر العثمانيون إلى طلب الحوار معه.، وتم الهجوم من جديد، على منطقة بارزان سنة ١٩١٣ ليترك الشيخ عبدالسلام المنطقة، ويتوجهه إلى شرقي كوردستان، كي يتوجّه في عام ١٩١٤ مع مار شمعون الآشوري واندرانيك باشا الأرمني من قرية رازان، إلى تبليس، حيث التقوا فيها بمبعوث القيصر الروسي، وتم التباحث معه بشأن تأسيس دولة فيدرالية تضم الكرد والأرمن والآشوريين.
وقد ذكر وزير الخارجية الروسي سيرجي لافروف، خلال زيارته لإقليم كوردستان في ٧ اكتوبر عام ٢٠١٩ أنه وحسب الوثائق الروسية، فإن شخصا من عائلة البارزاني قد زار روسيا، والتقى بالقيصر الروسي، وكان يقصد بذلك الشيخ عبد السلام البارزاني.
إلا إنه، وللأسف، فقد اعتقل الشيخ عبدالسلام ورفاقه، إثر مؤامرة قذرة، وسلموا إلى العثمانيين، ليتم إعدامهم في ١٤ كانون الأول عام ١٩١٤ كي يتولى بعده شقيقه الشيخ أحمد مهمات رئاسة البارزانيين، إذ نغدو هنا وفق الكتاب، على أعتاب مخطط مؤامرة سايكس بيكو 1916 التي اقتضت تقسيم كوردستان، لينتهي الفصل، بعد ذلك، بالتحدث عن اتفاقية سيفر في ١٠ آب ١٩٢٠ واستعراض البند ٦٤ من الاتفاقية التي تتحدث عن حقوق الشعب الكردي، كوثيقة تاريخية مهمة، قبل أن توأد!!!.
الفصل الثاني: تأسيس دولة العراق
يتحدّث المؤلف عن كيفية تأسيس دولة العراق، وتعيين الملك فيصل ملكاً عليه، وكيفية إلغاء معاهدة سيفر، واستنساخها بمعاهدة لوزان، والإشارة إلى الفقرة الثانية من البند الثالث من معاهدة لوزان بخصوص الخلافات الحدودية بين العراق وتركيا، وكيف أنقذ الكرد ولاية الموصل من أيدي تركيا، ومن ثم تنكّر العراق لحقوق الكرد وفضلهم في ذلك.
كذلك يتناول هذا الفصل انتفاضة الشيخ محمود الحفيد سنة ١٩١٩ في السليمانية ضد السلطات الإنكليزية، ودعم الشيخ أحمد البارزاني له. ويسلّط الضوء على الثورتين الكرديتين بقيادة الشيخ أحمد البارزاني في سنتي ١٩٣١ و١٩٣٢ وكذلك الثورات التي قادها ملا مصطفى البارزاني في سنوات ١٩٤٣ و ١٩٤٥ ..
كل ذلك كان عبارة عن دلائل على أن القضية الكردية كانت موجودة قبل تأسيس دولة العراق، إلا إن العراق خرق حقوق الكرد، وما الثورات والحركات التحررية الكوردستانية إلا دليلاً على عدم قبولهم بالأوضاع الجديدة في العراق، ووقوفهم ضد الجهود الرامية إلى تهميش وصهر الشعب الكردي في البوتقة الرسمية العامة.
الفصل الثالث : ثورة أيلول
في هذا الفصل يتحدّث الرئيس مسعود عن ثورة أيلول. أهميتها ومكاسبها، باعتبارها ثورة كوردستانية من جهة، وعراقية من جهة أخرى، وقد كان شعارها " الديمقراطية للعراق والحكم الذاتي لكوردستان "
ثم يشير إلى الانقلابات العراقية خلال فترة ثورة أيلول، حيث إنه خلال عشر سنوات، فحسب، تمت سبعة انقلابات عسكرية في العراق، ولكن أياً من تلك الانقلابات لم يستطع الحفاظ على أمن العراق وحمايته، والانقلابيون لم يستطيعوا قيادة العراق نحو الديمقراطية، أو حماية حقوق الإنسان، أو الاعتراف بالحقوق القومية للكرد والتركمان والمسيحيين في العراق.
وطوال تاريخ ثورة أيلول جرى العديد من جولات التفاوض والحوار مع السلطات العراقية، وكان يتم خرقها وانتهاكها من قبل السلطات العراقية، لأنها كانت تلجأ إلى التفاوض مع الكرد كتكتيك.
وقد سخرت الحكومة العراقية كل طاقاتها العسكرية لإلحاق الهزيمة بثورة أيلول ومارست سياسة الأرض المحروقة، ومارافق ذلك من تهجير وتشريد، ما دفع بالبارزاني إلى إرسال رسالة إلى الأمم المتحدة في ١ كانون الثاني عام ١٩٦٦ يدعو فيها إلى إرسال لجنة خاصة إلى كوردستان، للاطلاع عن قرب، على الدمار الحاصل، والظلم المرتكب، ضد شعب كوردستان.
كما يسرد المؤلّف الملاحم البطولية التي حقتها البيشمركه في ملحمة هندرين وزوزك وغيرها لتجبر الحكومة العراقية على الحوار والتفاوض، وحل المشكلات مع الكرد، بالطرق السلمية. ويتوقف المؤلف عند اتفاقية ١١ آذار كأكبر مكسب من مكاسب ثورة أيلول التي نقلت الكرد إلى مرحلة حياة سياسية جديدة، وبموجب تلك الاتفاقية نال الكرد في هذا الجزء من كوردستان جزءاً من حقوقهم القانونية والقومية، واعترفت الدولة العراقية بأن الكرد شعب يعيش على أرضه، إلا إن الحكومة العراقية استمرت في معاداة الثورة والكرد، وأخذت تلاحق أعضاء وتنظيمات الحزب الديمقراطي الكوردستاني في بغداد، وقد تم
إعدام الشهيدة ليلى قاسم، كأول فتاة كردية تعدم من قبل الحكومة العراقية، بسبب العمل السياسي، وذلك في ١٢ أيار ١٩٧٤، ليتطرق إلى اتفاقية الجزائر الخيانية، ومرحلة الانتقال إلى مرحلة تاريخية جديدة، نواتها انفتاح الحركة التحررية الكردية في كوردستان، نحو العالم الخارجي؟
الفصل الرابع: خطة إبادة الشعب الكردي وصهره داخل دولة العراق.
يتحدّث المؤلف خلال هذا الفصل عن خطط إبادة الشعب الكردي، من قبل السلطات العراقية، طوال مئة سنة ، وهو ما يندرج ضمن إطار مصطلح الجرائم ضد الإنسانية، والإبادة الجماعية.
تشمل هذه الجرائم والخطط عمليات التغيير الديمغرافي والترحيل القسري وتدمير كامل للقرى والتغييب والأنفال والسلاح الكيماوي ضد الشعب الكردي، ووفق سياسات منظمة وخطط معدة لأجل إبادته وصهره، ويشير إلى أن عمليات التغيير الديمغرافي قد بدأت قبل تأسيس دولة العراق، على يدي مدحت باشا والي العراق، في نهاية القرن التاسع عشر، وتواصلت هذه العمليات، على نحو آخر، بعد تأسيس دولة العراق في الثلاثينيات والأربعينيات والخمسينيات من القرن الماضي، وتحديداً: بعد ثورة ١٤ تموز ١٩٥٨ لتستمر عمليات التعريب، بوجهها العنصري الذي عرفناه جميعاً، إذ إنه في سنة ١٩٦٣وبعد استيلاء البعثيين على الحكم، دخلت خطط الترحيل والتعريب والتبعيث مرحلة واسعة وجد خطير، ففي سنة ١٩٧٠ نفذت جرائم الترحيل القسري ضد الآلاف من الكرد الفيليين، وقد امتدت عمليات تدمير القرى الكردية من عام ١٩٧٤ ولغاية ١٩٧٩.
وإنه في تشرين الثاني ١٩٧٥ تم تنفيذ أكبر حملة ترحيل وتدمير للقرى الكردية في منطقة بارزان، وإنه في سنة ١٩٨٠ تم تغييب اثني عشر ألف شاب كردي فيلي، على أيدي آلة النظام العنصري القائم؟
كما إنه في31 تموز عام تم١٩٨٣ اعتقال ثمانية آلاف من الرجال البارزانيين وإبادتهم، أما عمليات الأنفال في عام ١٩٨٨ فقد نفذت على ثماني مراحل، إذ أباد النظام خلالها أكثر من ١٨٢٠٠٠ مواطن كردي.
وفي السنة ذاتها تم قصف حلبجة بالسلاح الكيماوي، وراح ضحية ذلك خمسة آلاف شهيد، وقد تم زرع الألغام وحرق ٤٥٠٠ قرية كردية، وتواصل الاعتقال العشوائي، والاحتجاز والتعذيب، والإعدام، بأشكاله، ناهيك عن قلعة دزه في ٢٤ نيسان ١٩٧٤، وقصف مخيمات اللاجئين في مخيم زيوه في ٩ حزيران ١٩٨٥.
كل هذا مجرّد جزء من الجرائم التي ارتكبها النظام العراقي وهي مُوّثّقة في المئات من الوثائق التي تؤكّد أن العراق وطوال مئة عام، كانت جهودها المبذولة في سبيل إبادة الشعب الكردي وكلها جرائم تصنف قانونياً ضمن مصطلح "جرائم ضد الإنسانية وجرائم الإبادة الجماعية.
الفصل الخامس: الانتفاضة
يركّز هذا الفصل على انتفاضة آذار ١٩٩١ كانعطافة تاريخية في حياة شعب كوردستان، والقيم العالية لها، حيث كان الشعب فيها نموذجاً للأخلاق والثقافة العالية، بعيداً عن الانتقام. كما يتحدث الرئيس مسعود- هنا- عن القرار الأصعب في حياته، وهو الذهاب مع المرحوم مام جلال إلى بغداد لإجراء المفاوضات، بالرغم من أن ثمانية وثلاثين فردا من عائلته، وثمانية آلاف شخص من عشيرته، و١٨٢ ألف شخص من قوميته قد تم استشهداهم و أنفلتهم، بطرق وحشية، مع ذلك، فقد قرر السيد الرئيس الذهاب إلى بغداد، لكي لا يقول أحد:
إنه بسبب الأحقاد الشخصية امتنع البارزاني عن التفاوض، وأهدر وفوت فرصة معالجة مشكلات الشعب الكردي، لذلك فقد كان ذلك القرار الأصعب في حياته، كما يرويه، وسمعته منه شخصياً، في لقاء تاريخي معه. فقد كان والرئيس الراحل مام جلال يتذكران كل تلك الجرائم، و يسيران وسط نهر من الدماء، وصافحا اليد الملطخة بدماء الشعب، لكن الهدف كان فتح صفحة جديدة لمستقبل الشعب الكردي، والدخول في مرحلة جديدة لتحقيق السلام.
كما يوضح المؤلف-هنا- أن سبب كل تلك الكوارث ليس إلا نتيحة وجود شعب كوردستان ضمن دولة العراق، كما يوضح أهمية نفط كوردستان،وأنه قد أصبح العراق دولة" بنفط كوردستان"، وبأموال ذلك النفط كان نظام العراق يحارب شعب كوردستان.
بعد فشل المفاوضات مع النظام العراقي، وبعد الانتفاضة، وإثر الهزيمة العسكرية التي لحقت بالقوات العراقية في مضيق كوري، سحبت الحكومة بعض الوحدات الإدارية من كوردستان ولمدة اثني عشر عاماً، ولم تبق بين كوردستان وبغداد أية علاقات سياسية أو اقتصادية أو إدارية. و إنه رغم الحصار، ووجود العقبات الاقتصادية الكبيرة، والمشكلات الداخلية بين الأطراف السياسية، إلا إنه- وللمرة الأولى- جرى تنظيم انتخابات برلمانية حرة وديمقراطية في ١٩ مايس ١٩٩٢، وتم تشكيل حكومة الإقليم، وخلال الأعوام الاثني عشر، استطاعت حكومة الإقليم أن تثبت وجودها، وتطور ذاتها، وأصبحت ملاذاً آمناً لقوى عراقية معارضة.
الفصل السادس: مؤتمر المعارضة العراقية وسقوط النظام السابق
يتحدّث هذا الفصل عن الهجوم الأمريكي على العراق ٢٠٠٣ وسقوط النظام السابق، كما يتحدّث عن مؤتمر المعارضة العراقية في لندن في ١٤ و ١٥ كانون الأول ٢٠٠٢ قبل الهجوم الأمريكي ومشاركة الأطراف الكوردستانية في المؤتمر، وقرار المؤتمر بأن عراق المستقبل سيكون عراقاً ديمقراطياً برلمانياً تعددياً فدرالياً، وستكون مبادئ الشراكة والتوافق بين المكونات أساساً وأرضية، لإعادة بناء الدولة.
كما تمت الدعوة إلى إزالة كل التغييرات التي شملت الواقع القومي والديمغرافي، وإلغاء الإجراءات الإدارية التي كانت تهدف إلى التغيير الديمغرافي، بالإضافة إلى الاعتراف بجرائم الأنفال والإبادة الجماعية ضد شعب كوردستان، وتعويض الضحايا، واحترام الإرادة الحرة لشعب كوردستان، بعد سقوط النظام.
كذلك يتناول المؤلف ملف كتابة دستور جديد للعراق والذي تم في عام ٢٠٠٥ بمشاركة الأطراف الكوردستاتية، وتبيان دورهم الفعال في صياغة فقرات الدستور العراقي الجديد، والتصويت عليه، وإنجاحه، في تثبيت حقوق المكونات، وإظهار ملامح الشراكة والديمقراطية فيه، إلا إنه تم
خرق أغلب مواد الدستور، وحتى الآن فإن المادة ١٤٠ لم تنفذ بعد.
ويشير المؤلف إلى الدور الامريكي السلبي تجاه الكرد، ومطالبتهم بتقديم التنازلات. ويتطرّق إلى حالة النفط والغاز، حيث قطعت الحكومة العراقية في شهر شباط ٢٠١٤ موازنة الإقليم ما اضطره إلى تصدير النفط ، حيث يعتبر قطع موازنة الإقليم جريمة أخرى، لا تقل عن جرائم القصف الكيماوي...!
الفصل السابع: حرب داعش
يتحدّث هنا الرئيس عن بعض الوقائع والأحداث التي ظهرت خلال حرب داعش وبطولات البيشمركه، في تحطيم أسطورة داعش، ويثير في الوقت ذاته، بعض التساؤلات المهمة. فقد وضح المؤلف أهم الأسباب التي قادت العراق إلى حافة الانهيار، وهيأت الأجواء لانتعاش الإرهابيين غربي الأنبار والموصل، فهي نتاج السياسات الخاطئة للحكومة العراقية. السياسات الطائفية، والفردية، وتهميش المكوّنات والفساد، وواقع بنية الجيش والقوات الأمنية حيث تم تنظيمها وفق أسس الارتباط الشخصي، وليس وفق الانتماء للوطن. كل تلك السياسات والممارسات الخاطئة هيأت الأجواء لانتعاش الإرهابيين، وفي غمضة عين فقد وقعت الموصل بيد الإرهابيين الدواعش.
ويشير المؤلف كيف أنه حذر سلطات العراق بأن الإرهابيين غربي الموصل في حالة تحرك ونشاط مستمرين، وأن هناك خطر سقوط الموصل بأيديهم، لكن نوري المالكي لم يهتم بذلك التحذير، وإنه في النهاية فقد سقط قسم كبير من غربي العراق ومحافظات الوسط وقبل سقوط الموصل وخلال اتصال هاتفي مع المالكي، فقد أخبره الرئيس عن مخاطر وتحرُّكات داعش غربي الموصل، كما أن قوات البيشمركه اقترحت على القوات العراقية تنفيذ عملية عسكرية مشتركة، لطرد داعش من تلك المنطقة، ولكن للاسف لم يتم الاهتمام بالنصائح والمقترحات.
كما يتحدث المؤلف هنا عن هجوم داعش لكوردستان، والتساؤلات والغموض الذي ساور ذلك:
بعد أن احتل داعش مدينة الموصل في العاشر من حزيران ٢٠١٤ تقدّم بسرعة نحو وسط العراق، واقترب من بغداد، ولكن، و- بشكل مفاجئ- غير اتجاه معركته نحو كوردستان، وبدأ هجومه عليها. هذا الموضوع أصبح لغزاً كبيرا من أسرار حرب داعش، وهنا يبقى السؤال:
لماذا هاجم داعش كوردستان؟
وفيما يخص بطولات وملاحم البيشمركه في دحر الإرهاب، فإن البيشمركه سطروا المئات من الملاحم البطولية، وتم تحرير كل شبر محتل من أرض كوردستان، وهنا لابد من ذكر حقيقة للأجيال القادمة: إذ إنه صحيح أن المساندة الجوية للتحالف لقوات البيشمركه كانت دعماً جيداً، ولكن الذي ضحى بدمه في الميدان، ودحر العدو كان البيشمركه.
وقد دفع شعب كوردستان ضريبة إنسانية واقتصادية كبيرة في هذه الحرب، حيث كانت الحكومة العراقية قد قطعت موازنة الإقليم عنه، وهبط سعر النفط، في الوقت الذي كانت فيه الحرب على جبهة طولها ألف وخمسون كيلو متر، إضافة إلى تكاليف ضيافة مليون وستمئة ألف نازح ولاجئ من العراق وسوريا، إذ ضحى ١٩٢١ بيشمركه بأرواحهم الطاهرة، وأصيب ١٠٧٥٧ بيشمركه بجراح متفاوتة، ٦٣ وهناك63 أسيراً ومفقوداً.
وعن احتلال شنكال الذي تمّ في ٣ آب ٢٠١٤ فقد كان البيشمركة لا يمتلكون إلا الأسلحة الخفيفة، كما إن شنكال من الناحية الجغرافية، أشبه بمجرد جزيرة تبعد سبعين كيلو متراً عن إقليم كوردستان، ومواقع قوات البيشمركه، أما الطرق التي كانت تربط بين الإقليم وشنكال فقد كانت تحت سيطرة العشائر العربية التي انخرطت مع داعش وقد أغلق بعض من تلك العشائر تلك الطرق في وقت قصير جداً، أمام تحرك القوات المساندة لشنكال، كما إن أمريكا وقوات التحالف لم تكونا قد خاضتا بعد، غمار الحرب، لمساعدة البيشمركه، عندما احتل داعش شنكال، ناهيك عن أن البيشمركه الذين بقوا في جبل شنكال مع النازحين حموا جبل شنكال وشرف الدين من هجمات داعش، ومنعوا وصول أيدي إرهابيي داعش إلى مئات الآلاف من المواطنين الذين لجؤوا إلى جبل شنكال.
ويتناول المؤلف ملحمة تحرير شنكال: إذ يبيّن كيف أن البيشمركه هاجمت داعش، وحررت طريق سحيلا نحو شنكال، وحوض زمار وجبل شنكال، إلى أن تحقق تحرير مدينة شنكال، إذ إنهم من خلال بطولاتتهم وملاحمهم حطموا أسطورة داعش، ثم يطلق المؤلف السؤال الصادم:
لماذا لم يساعد العراق الإقليم في حرب داعش، واستمر في فرض الحصار وقطع موازنة الاقليم؟
في الوقت الذي كان فيه البيشمركه يدافعون عن العراق، في مواجهة داعش، وحافظوا على كركوك والمناطق المستقطعة، ولو إنه لم يدافعوا عن كركوك، لكان مصير كركوك لا يختلف عن مصير الموصل!
بالإضافة إلى تلك الحرب الصعبة والحصار المالي من قبل بغداد، فقد أصبح إقليم كوردستان ملاذاً لمليون وستمئة ألف من النازحين واللاجئين السوريين والعراقيين، بما يعادل ٢٥% من سكان الإقليم.
وهنا يأتي السؤال:
لماذا لم تسهم حكومة العراق في إيواء اللاجئين ومساعدة الإقليم رغم أنها كانت تمتلك أموالاً طائلة؟
ألم يكن الإقليم جزءاً من العراق؟
كما يشير السيد الرئيس إلى سعيه الدائم إلى إيصال رسالة اللاجئين إلى العالم، لأجل تقديم المساعدات لهم، وإنه حتى أثناء زيارتي بان كيمون السكرتير العام للأمم المتحدة لإقليم كوردستان في ٢٤ تموز ٢٠١٤ و ٢٦ آذار ٢٠١٥ أنه أبلغه بواقع أوضاع اللاجئين الصعبة، وأن الإقليم وحده يتحمّل المسؤولية، وأن الحكومة العراقية لم تقدّم أية مساعدات، وأن بغداد لا تعتبر اللاجئين العراقيين مواطنيها؟!