لمن تقرع الأجراس في تل تمر وريفها؟
ماهين شيخاني
يتساءل المواطنون العُزّل على حافتي خطوط التماس من منطقة ابو رأسين الى تل تمر بين قوات سوريا الديمقراطية" قسد" والفصائل الموالية لتركيا باستغراب وذهول وهلع وهم يتركون منازلهم ويحملون ما خف وزنه وإنقاذ أرواح أسرهم فقط، تشردوا، هاربون إلى مناطق أخرى تتوزع على جغرافية محافظة الحسكة من الشمال إلى الجنوب وإلى الشرق الى حد ما، خوفاً وهلعاً من قذائف الهاون والمدفعية والأسلحة الخفيفة، وكما هو معلوم فقد أصيبت طفلة وفارقت امرأة الحياة، وأصاب العديد من الناس بجروح من شظايا هذا النزاع المفترض، كانت الساحة ومنذ دخول الفصائل وسيطرتها على منطقة رأس العين لم تخلُ من سماع أصوات الطلقات وقد تعوّد أهالي المنطقة إلى ذلك، لكن في الفترة الأخيرة أصبحت أكثر حدة وعنفاً دون أن يتقدّم أيّ طرف بمتر واحد، ربما التزماً بما قاله متحدث باسم وزارة الخارجية الأميركية لموقع “صوت أميركا”: “الولايات المتحدة قلقة للغاية بشأن التقارير عن زيادة النشاط العسكري في شمال شرق سوريا”، مضيفًا أن واشنطن تدعم “الإبقاء على خطوط وقف إطلاق النار الحالية وتحث على جميع الأطراف التهدئة”.
يا ترى اللاعبون يخططون لشيء ما وخاصة وجود القوات الروسية بالقرب من كلا الطرفين؟ وتدخُّل جيش النظام وحسب بعض المصادر هناك قتيل وأكثر من 20 جريح من قوات النظام بقصف للقوات التركية.. والأخيرة تصعد عسكريًا في ريف الحسكة.
تمكن الكاتب “ ارنست همنغواي” من رسم الصورة التي أرادها لروايته «لمن تقرع الأجراس؟» بموضوعية، واختزلها بحادثة تفجير الجسر الذي قلب الموازين، بعد نجاح الشاب الأمريكي “روبرتو جوردان”، في المهمة التي تولى القيام بها.
لكن يقابل نجاح المهمة موت البطل الأمريكي الذي خطط ونفذ للتفجير، لأنه لم يسلم من خططه فمات بما خطط له، وبقي الإسبان في حربهم الأهلية، التي لم تأت بجديد، وبقيت الكفة متعادلة بالنسبة للطرفين نوعًا ما، ولم يكن هناك أي تغيير يذكر، لأن هذه الحرب الأهلية، وبعد سنوات الحرب، صبت لصالح الفاشية الإسبانية.
استطاع ”همنغواي” أن يسلط الضوء على الجانب الإنساني للحرب الأهلية الإسبانية، وأن ينقل معاناة الشعب الإسباني مع ويلات الحروب، وهي مهمة نبيلة لأي كاتب يحاول أن يؤرخ لمرحلة ما ، ولكن من ينقل معاناة أهالينا في عفرين حتى رأس العين والآن أبو راسين وتل تمر، والهلع الذي يدب بالمنطقة بشكل عام ومن هم المتسببون في هذه الكوارث ومن هو " بابلو " هذا التصعيد والتوتر ، بل أجزم هناك أكثر من "بابلو" في كل منطقة.
كان تركيز مؤلف رواية "لمن تقرع الأجراس؟" مُنصبّاً على عمليات إطلاق النار وقتل الناس الأبرياء ممن كانوا جيرانه ورفاقه ومن عامة الشعب، كما تطرق إلى هواجس الميولات التي أصابت الشعب الإسباني، وفرقت بين الإسبان وحولتهم إلى طوائف متناحرة، بعدما اختلفت أهوائهم وتوجهاتهم السياسية وأصبحوا أعداء لبعضهم البعض.
فكانت النتيجة تحوُّل إسبانيا إلى ساحة لمعركة دامية، مع كثرة الدماء والوحشية والموت، وفظاعة الحرب والخراب والدمار، حيث تحوّل الناس العاديون إلى وحوش تعشق القتل والدم، تحول أغلب الإسبان إلى آلة قتل دون شفقة، أداة في يد أصحاب الأفكار المسمومة، والتوجهات السياسية، فتحوّل الهدف المشترك بين الإسبان إلى أهداف شخصية، ونزاعات فردية.
الرواية تركز كذلك على الأفعال الوحشية إلى حولت الإنسان إلى آلة قتل، مثل حالنا في الوقت الحاضر، بعيدًا عن الإنسانية المشتركة والهوية الواحدة، وقد ظهر ذلك من خلال شخصية “بابلو”، الذي تحول من إنسان عادي إلى قاتل تمرد على كل القيم والمبادئ التي تعلمها من قبل، تجرد من الإنسانية بعدما تمكن من قتل المتظاهرين من إخوانه الإسبان ببرودة دم، يسعى بكل الطرق إلى الحفاظ على حياته، وما يؤمن من أفكار وتوجهات الجماعة التي ينتمي إليها، ولو كان ذلك بقتل أفراد من حزبه أو ذويه وأقربائه.
وهنا يتشابه وضعنا ومأساتنا، حيث يتحدث الكاتب عن ضياع الهدف الذي رسمته الثورة منذ البداية، فتحولت من المطالبة ببناء بلد جديد إلى حرب أهلية دامية، وساحة للمعارك الدولية.
فمات قلب وضمير “بابلو” في رواية لمن تقرع الأجراس لمؤلفها همنغواي، وأضحى أسير أفكار فقط لا يستطيع حتى تحليلها، فهو مجبر على القتل، ولا شيء دونه، من كثرة قتله للناس من حوله، والاضطرابات النفسية التي بدأ يعيشها، فكان يتم تغذيته بأفكار معينة تجعله يستحل القتل دون تفكير.
كما ويبرز في الرواية شخصية ايجابية الى حد ما من خلال النصائح التي قدمها “جوردان” لمساعده الوفي “أنسيلمو” بعدم شخصنة الهدف عند إطلاق النار، لأن الرصاصة ستصيب هدفًا معينًا، وليس إنسان كانت له حياة مشتركة معه في يوم من الأيام.
فتركيا لم تحصل على الضوء الأخضر للاجتياح، لكنها وعبر فصائلها لا تفوت أي فرصة مؤاتية لتحقق بعض التفاصيل الجزئية من مشروعها، والفرصة الراهنة هي الانشغال الأمريكي، والصراع الكردي- الكردي الداخلي، وبذلك ستزيد تركيا من ضغطها وقصفها حتى تصل إلى جنوب الطريق الدولي M4 وبذلك تشطر المناطق الحدودية إلى قسمين منفصلين، وأيضاً تقطع الشريان الرئيسي للإمداد وهو M4، حسب رأي الدكتور" سعدون " ، ورغم ذلك فما زالت دورية روسية تركية مشتركة تصول وتجول في ريف الدرباسية في محافظة الحسكة بالتزامن مع تحليق مروحيات روسية لاستئناف المباحثات واستكمال تطبيق خارطة الطريق الروسية.. فالروس حاضرون هنا وفي الجنوب يدعون لجان التفاوض لاجتماع في درعا، وفي إطار استمرار تصعيد القوات التركية.. طائرة مسيرة تقصف موقعًا ضمن مناطق انتشار القوات الكردية.. والأخيرة تشتبك مع الفصائل الموالية لتركيا في محاور ريف حلب.
وتقول القوات الكردية المدعومة من الولايات المتحدة في سوريا إنها تشعر بقلق متزايد من موجة الهجمات التركية بطائرات مسيرة ضد قادتها في شمال شرق سوريا، وفقا لموقع صوت أميركا.
كما أفادت التقارير الصحفية بأن تركيا نفذت العشرات من الغارات الجوية الأسبوع الماضي، بما في ذلك عدة غارات بطائرات بدون طيار، ضد مواقع تابعة لقوات سوريا الديمقراطية.
ويسيطر الجيش التركي والميليشيات السورية المتحالفة معه على أجزاء من شمال شرق سوريا منذ أكتوبر 2019 في أعقاب حملة عسكرية كبيرة ضد مقاتلي قوات سوريا الديمقراطية. منذ ذلك الحين، رعت الولايات المتحدة وروسيا اتفاقيات منفصلة لوقف إطلاق النار بين الأطراف المتحاربة.
وقال المتحدث باسم مجلس منبج العسكري التابع لقوات سوريا الديمقراطية: “زادت تركيا مؤخرًا من هجماتها بطائرات بدون طيار ضد نقاطنا العسكرية وقادتنا في جميع أنحاء شمال شرق سوريا مثل كوباني وتل تمر وآخرها في القامشلي”.
وأضاف: “المناخ السياسي الحالي لا يساعد تركيا على شن عملية برية واسعة النطاق، لذلك يستخدمون بدلاً من ذلك الطائرات بدون طيار والضربات الجوية لتوسيع عملياتهم”.
وفي الختام:
لمن تقرع الأجراس؟ ومن يدفع الفواتير؟ سوى أناس بسطاء همهم النوم بأمان ولو على كسرة خبز يقول الشاعر الإنجليزي جون دون “إن موت أي رجل يؤلمني لأنني أنتمي إلى البشرية جمعاء. لذا، لا تراسلني أبدا لتسألني لمن تقرع الأجراس؟ إنها تُقرع من أجلك”