الانسحاب الأمريكي من أفغانستان علة وراثية أم إستراتيجية جديدة؟
دوران ملكي
درجت العادة أن السياسة الأمريكية هي سياسة مؤسسات وليست سياسة أفراد، وهذا كان السر وراء نجاحها ولكن ما يتوضّح الآن هو سيطرة المزاجية أحياناً ويحس المراقب بأن دور الفرد أصبح واضحاً في السياسة.
انسحاب القوات الأمريكية من العراق بعد وعدٍ انتخابي من الرئيس باراك أوباما في أوجه تطور الإرهاب في العراق ثم تبعه الرئيس دونالد ترامب ووضع أسس الانسحاب الأمريكي من أفغانستان في عز تطور حركة طالبان وانتقالها من الكهوف إلى السهول والمترافق بهجرة تنظيم الدولة وبكثافة إلى أفغانستان وإبرامها اتفاقاً مع طالبان على تأسيس إمارة إسلامية في أفغانستان وعدم التعرُّض لنشاطات تنظيم الدولة وليستكمل الرئيس جو بايدن الانسحاب ويحوله إلى حقيقة.
السؤال الذي يطرح نفسه: ما هي الدوافع من وراء هذه التقلبات؟ هل هي إستراتيجيه أم أزمات داخلية؟
لا شك أن انهيار الإتحاد السوفييتي السابق كان من دواعي سرور الغرب الرأسمالي وبذلك تحوّل العالم من واقع ثنائي قطب منهك بسباق التسلح إلى السيادة المطلقة للولايات المتحدة الأمريكية لتبدأ عيوب النظام الرأسمالي بالظهور حيث لم يستطع المبدأ الربحي المطلق الذي تتبناه الشركات البرجوازيه من إدارة الصراع مع الاقتصاديات الناشئة بعد الحرب العالمية الثانية كالصين واليابان والنمور الآسيوية.
اشتركت الصين إلى جانب دول الحلفاء نتيجة نزاع بين الصين وامبراطورية اليابان في عام 1937 بعد حادثة "ماركو بولو" وتحوّلت إلى معركة حربية استمرّت حتى استسلام اليابان، وسميت في الصين بحرب "المقاومة الصينية ضد اليابان" والتي كانت جزءاً من حرب المحيط الهادئ في الحرب العالمية الثانية استلم الحزب الشيوعي الصيني الحكم في سنة 1949 بقيادة ماو تسي تونغ وكانت في صدارة أهدافه توحيد أبناء مختلف القوميات في البلاد والاهتمام بالبناء الاقتصادي بشكل مركزي والإصلاح والانفتاح والاعتماد على الذات، وبذلك اعتمد الحزب في عام1979 بناءً على صايا ماو تسي تونغ الإصلاح والانفتاح على الخارج وإتباع نظرية اقتصاد السوق، وكان هذا هو الخروج الموفق الذي أبعده عن الصراع الدائر بين المعسكرين واعتمد مبدأ الحياد وبذلك كسب ودّ النظامين معاً رغم الاختلافات الإيديولوجية مع الحزب الشيوعي في الإتحاد السوفيتي.
تطوّرت الصين بشكل مذهل من اقتصاد زراعي منهار الى دولة تنافس على زعامة العالم، وكذلك روسيا مالكة إرث الإتحاد السوفييتي السابق قد لملمت جراحها الاقتصادية وأصبحت تنافس اقتصادياً وعسكرياً.
هذه التطورات تجعل الولايات المتحدة وحلفاءها من إعادة النظر في الهيكلية الاقتصادية والرجوع إلى البناء الداخلي وإصلاح الوضع الاقتصادي خاصة بعد جائحة كورونا والخوف من النجاحات التي حققتها الصين وإعادة العالم إلى المربع الأول وهو الصراع بين الرأسمالية والاشتراكية.
إن تركيبة المجتمع الأفغاني المعقدة والتي تتألف من إثنيات وطوائف متعددة تؤهلها للعب دور محوري في تلك المنطقة، فالشعب الأفغاني ينحدر من ثلاث قوميات رئيسية هم البشتون ويبلغ نسبتهم من 40-50 بالمائة والطاجيك بحدود 37 بالمائة والهزار بحدود 9 بالمائة إلى جانب الأزبك-الإيماك-التركمان-البلوش.
الديانة الرئيسية هي الإسلامية حيث 90%من السكان يتبعون المذهب السني الحنفي وبين 7-15% شيعة يتبعون المذهب الإثني عشري. ترتبط شمالاً مع طاجكستان وتركمانستان وشرقاً الصين وجنوباً باكستان وغرباً إيران وتقع على طريق الحرير التاريخي وجميع دول الجوار تملك أجندات في أفغانستان.
الصين يمثل فيها المسلمون بين 1.5-4% حسب الإحصائيات الرسمية وأكبر قومياتهم الإيغور والتي تعاني مشاكل مع الحكومة الصينية، ويعتبر الإيغور من القوميات المضطهدة والتي ترى في أفغانستان العمق الإستراتيجي وهناك تخوفات صينية من تحول السوق إلى أكبر سوق للسلاح بعد انسحاب القوات الأمريكية بالإضافة الى تطلع الصين إلى الاستفادة من ثروات أفغانستان المعدنية وخاصة النحاس.
طاجكستان تخشى من تطوّر الجماعات المسلحة المتطرفة التي يمكن أن تسبب لها حالة عدم استقرار ولأن هذه الجماعات تعتبر طاجكستان جزءاً من إمارة خوراسان
باكستان تعتقد إن غالبية السكان في الدولتين من القومية البشتونية وساعدت طالبان من وراء الكواليس، وتريد إبعاد افغانستان عن الهند وتبحث عن حلم الوحدة
ايران ساعدت كثيراً حركة طالبان لكي تنال من الأمريكيين ولكن بعد الانسحاب ستطفو الخلافات المذهبية على السطح والخلافات مع القومية البلوشية التي أعلنت فيها حركة "جند الله" السنية الكفاح المسلح وقامت بالعديد من العمليات ضد القوات الإيرانية وتتهم إيران الولايات المتحدة بدعمهم رغم ورود اسم الحركة على لوائح الإرهاب الأمريكية.
تراقب روسيا عن كسب تطوُّرات الوضع في أفغانستان إذ اجتمعت العديد من الفصائل المتطرفة وعلى رأسهم تنظيم الدولة والتي تخطط لتأسيس إمارة خوزستان وعينت والياً باكستانياً من البشتون، ويتواجد بين تنظيم الدولة العديد من القيادات الشيشانية التي تسبب قلقاً روسياً.
تعيد الولايات المتحدة حساباتها في استغلال الوضع الأفغاني لصالحها كما استخدمته في عهد الاتحاد السوفييتي السابق وخاصة إن الإيديولوجيا الإسلامية تلتقي مع الإيديولجيا الرأسمالية أكثر من الإيدولوجيا الماركسية التي تتبناها الصين، وإن انسحابها من افغانستان وترك السوق الأفغانية الغنية بالسلاح سيؤدي إلى توتير الأجواء مما يهدد استقرار أعدائها خاصة الصين وإيران ستفتح لها المجال للالتفات الى أوضاعها الداخلية رغم تحملها تبعات تركة الأفغانيين المتعاونين معها.