اللانهاية infinity بين الفلسفة والرياضيات والخلق
محمد رجب رشيد
دخل زائر إلى فندق يضم عدداً لا نهائياً من الغرف للإقامة فيه، اعتذر منه المدير لعدم وجود غرف فارغة، استغرب الزائر من عدم توفُّر غرفة فارغة من بين عدد لا نهائي من الغرف، فكّر قليلاً ثمّ قال: حسناً! ولكن بإمكانك إزاحة نزيل الغرفة الأولى إلى الغرفة الثانية وإزاحة نزيل الغرفة الثانية إلى الغرفة الثالثة وهكذا مع جميع الغرف، وبذلك تُفرغ الغرفة الأولى وأكون نزيلها، أُصيب المدير بالدهشة متسائلاً: كيف يمكن حصول ذلك! الذي أعرفه تمام المعرفة أنّ جميع غرف الفندق مشغولة، أضاف الزائر: إذا كرّرت التجربة السابقة عدد لا نهائي من المرات ستحصل على عدد لا نهائي من الغرف الفارغة مع المحافظة على العدد اللانهائي من الغرف المشغولة، إزدادت دهشة المدير وسأل مجدّداً: وهل الفندق عندئذ سيكون فارغاً أم ممتلئاً؟ أجابه: الأثنين معاً، أي سيكون نصفه فارغاً والنصف الآخر مُمتلئاً! تعود هذه المفارقة إلى الألماني ديفيد هيلبِرت من كِبار علماء الرياضيات في القرنين التاسع عشر والعشرين مِمّن تطرّق لإشكاليات مفهوم اللانهاية.
قد لا يمكن تفهُّم هذه المعضلة فلسفياً ولكن عِلم الرياضيات يُفسِّرها بسهولة، في الحالة الأولى عندما كان الفندق ممتلئاً كانت الغرف كالأعداد الطبيعية تبدأ من الصفر إلى اللانهاية، والصفر هنا هو غرفة المدير، أمّا الحالة الثانية بعد توفّر لانهاية من الغرف الفارغة، أصبحت كالأعداد الصحيحة من الصفر إلى اللانهاية موجب ∞+ (الغرف المشغولة)، ومن الصفر إلى اللا نهاية سالب ∞- (الغرف الفارغة).
يعود شغفي بمفهوم اللانهاية إلى أيام الثانوية العامة عندما عرّفَ لنا مدرِّس الرياضيات اللانهاية بأنّها مفهومٌ لا يشير إلى كمية أو عدد على وجه التحديد، وإنّما يشير إلى عدم وجود نهاية أو حدود في اتجاه معين، بمعنى أنّه أكبر من أي عدد موجب أو سالب بالقيمة المطلقة، وأبعد من أي مكان يمكن تخيُّله،... إلخ ،ويُعبّر عنها بالرمز (∞). ثم جاء بمثالين للتّوضيح أحدهما المستقيم المقارب الذي يُعرف بالخط المستقيم الذي يقترب من خط منحنٍ، كلما مدّدناهما يقتربان من بعضهما أكثر فأكثر دون أن يتقاطعا إلّا في اللانهاية، المثال الآخر كان عن الأعداد حيث قال: يوجد بين العددين واحد واثنان لانهاية من الأعداد الحقيقة (١' ١،٩' ١،٩٩' ١،٩٩٩' ١،٩٩٩٩' ....... ٢)، كلما أضفنا رقماً إلى يمين الفاصلة العشرية نقترب من العدد اثنان ولكِن لن نصل إليه حتّى لو أضفنا لا نهاية من الأرقام. كيف يمكن تفهُّم ذلك؟ أنْ يقترب شيء من آخر باستمرار دون انقطاع ولا يصل إليه! منّذ ذلك الوقت وأنا بين الحين والآخر أنظر إلى السماء في الليالي المُظلمة أتأمّل النجوم وأتساءل: كم عددها؟ وكم تبعد عنا وعن بعضها؟ وهل للسماء حدود أو نهاية؟ وماذا يوجد بعد تلك النهاية؟ وفي حال عدِمها لماذا نناقش شيئاً لا يمكن إدراكه؟ حقاً إنّها مُعضِلة كبيرة!
من المتعارف عليه في الثقافة الشعبية أنّ لكل شيء بداية ونهاية وحدود مهما كبُر أو صغُر، وبنفس الوقت نجد فيها عباراتٍ تستعمل للدلالة على ما لا يمكن تصورّه، من حيث البُعد أبعد ما يكون، من حيث الكِبَر أكبر مِمّا تتصور، من حيث الصِغر صغير جداً لا يُرى بالعين المجرّدة، من حيث الكثرة لا يمكن عدُّها، من حيث طول البقاء أبدي، ومن حيث القِدم أزلي. جميع التعابير الشعبوية السابقة ما هي إلّا كناية عفوية عن مفهوم اللانهاية. تلك اللانهاية لم تكن غائبةً عن الإنسان وعواطفه رغم صعوبة تقبُّلها وإشكاليتها، وما أنْ تلامس عاطفة أي شخص حتّى تتجذّر فيها وتزيدها عمقاً ودفئاً. فالصداقة الحميمة تدوم إلى الأبد، وأجمل الأوقات تلك التي نتمنى أن لا تنتهي، وأصدق حب أولها نظرة وآخرها في اللانهاية.
لقد كان لدى قُدماء الاغريق والهنود تصوّر ما عن اللانهاية كفِكرة رياضية فلسفية، إلّا أنّ التعبير عنها رياضياً كان مقبولاً أكثر من التعبير عنها فلسفياً. وفي القرن الرابع قبل الميلاد صنّف علماء الرياضيات الهنود الأعداد إلى ثلاث فئات، معدودة، غير معدودة، لا نهائية. كما عُثِرَ على مخطوطة هندية قديمة جاء فيها: "إذا عزلنا جزءاً من لا نهاية أو أضفنا إليها جزءاً يبقى الناتج لانهائياً". رفض أرسطو فِكرة اللانهاية فلسفياً، إذ لم يتصوّر أن تكون كميةً ما لانهائيةً. إلّا أنّ أرخميدس كان له رأيٌ آخر، فقد تفهّما رياضياً من حيث أنّ الأعداد الطبيعية تبدأ من الصفر إلى اللانهاية، والأعداد الصحيحة لا بداية ولا نهاية لها، أمّا الأعداد الحقيقية -جميع الأعداد الموجبة والسالبة والكسرية- فهي شيء آخر تماماً، حيث يوجد بين كل عددين متتاليين منها لانهاية من الأعداد الحقيقية كما ذكرنا سابقا. هذا فضلاً عن وجود أعداد لانهائية أكبر من أعداد لانهائية أخرى، فكما نعلم مجموعة الأعداد الصحيحة أكبر من مجموعة الأعداد الطبيعية. أمّا فلسفياً فقد رأى أرخميدس إمكانية نِقاش فكرة اللانهاية، ثم الحُكم عليها بقبولها أو بُطلانها. كل ما سبق يقودنا إلى الاعتقاد بأنّ فِكرة اللانهاية كانت مُختبِأة في رحم علوم الفلسفة والرياضيات والمنطِق منذ القِدم، إلى أنْ وُلِدَت كمفهوم علمي في القرن السابع عشر على يد إسحاق نيوتن بعد اكتشافه الجاذبية الأرضية والجاذبية بشكل عام، حيث تشكّل لديه تصوّر بألّا يكون للكون نهاية، مُبرِّراً ذلك بقوله: إذا كان الكون محدوداً فلا بدّ أن يكون له مركز تتجّه إليه جميع الانجذابات، وهذا الافتراض يتناقض مع قانون الجاذبية الذي يقضي بوجود جاذبية خاصة بكل نجم أو كوكب تختلف عن جاذبية الآخر بالمقدار حسب كتلته. وجاءت نظرية تمدُّد الكون فيما بعد لتدعم تصوّر نيوتن بلانهائية الكون، فالتمدُّد يحتاج إلى فضاء مفتوح بكافة الاتجاهات إلى ما لانهاية، ولا يمكن حدوثه في حيِّز محدود.
لقد أثار مفهوم اللانهاية الكثير من الجدل في الأوساط العلمية بين مؤيد يدعمه، ومعارض يراه شيئاً تافهاً لا يستحِّق الاهتمام به، وآخر يصِفه بالجرثومة التي دخلت جسد الرياضيات لإضعافها، رغم ذلك لم يعُد بالإمكان اسقاط مفهوم اللانهاية من العلوم، خاصةٍ وأنّه يشكِّل مجالاً خصباً للفلاسفة وعلماء الرياضيات والمنطق فيما يتعلق بالكون والخلق، وبنفس الوقت يضعنا أمام أسئلة جوهرية من قبيل: هل بدأ الكون من لحظة الصفر (الإنفجار العظيم)؟ وماذا قبل تلك اللحظة؟ وماذا قبلها أيضاً؟ وهكذا.... إلخ.
تلك الأسئلة ومثلها لا تنتهي بإجابة معينة، قد نجد الإجابة في الآية الكريمة (وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ ۖ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُم مِّنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا) ص. إذا كان الله سبحانه وتعالى لا يحيط به الزمان والمكان، وخالق الكون وفق قوانين ونُظم دقيقة، فلا بدّ أنًه حجب بعض الأمور -ماهيّة الروح، توقيت يوم القيامة، عُمر الكون، وغيرها- عن الإنسان واحتفظ بها لنفسه، بالتالي لا بدّ من التسليم بأزلية الكون دون بداية ونهاية.