غربي كوردستان في مواجهة السياسات الهدامة
عيسى ميراني
شدد الأتراك العثمانيون قبضتهم على الشعوب الخاضعة لسلطتهم باستخدام السياسات المختلفة والتي كانت مجبولة بالعنف أحيانا (القتل - التهجير- النفي – التعذيب لاسيما ثقافة التعذيب بالخازوق) كل ذلك من اجل كسر شوكة المناوئين وإضعافهم أمام آلة السلطة للسلطان الأعظم، ومن خلال التداخل السياسي والاجتماعي والثقافي بينها وبين الشعوب الخاضعة لحكمها أورثتهم تلك السياسات فأبدعت حكومات بعض الشعوب التي تحررت من قبضتها(كالعرب) بتطبيق سياسات جديدة بحق الشعوب المتداخلة معها في الحياة والمصير(الكورد مثالاً)
ففي سوريا بدأت أولى معالم التفرقة والإنكار والسياسات الشوفينية منذ بدايات تأسيس الدولة من خلال بعض الكورد الذين لم يحملوا من الكوردية سوى الاسم فقط أمثال محمد كرد علي وزير المعارف في حكومة تاج الدين الحسني آنذاك، ففي رسالة له للحكومة في عام 1931 بعد زيارته للواء الجزيرة يقول مناشداً من خلال هذا الاقتباس من رسالته "(وتعلمون أيّدكم الله، أن معظم من هاجروا إلى تلك الأرجاء هم من العناصر الكردية والسريانية والأرمنية والعربية واليهودية. وجمهرة المهاجرين في الحقيقة هم من الأكراد نزلوا في الحدود. وإني أرى أن يسكنوا بعد الآن في أماكن بعيدة عن حدود كردستان لئلا تحدث من وجودهم في المستقبل القريب أو البعيد مشاكل سياسية تؤدي إلى اقتطاع الجزيرة أو معظمها من جسم الدولة السورية لأن الأكراد إذا عجزوا اليوم عن تأليف دولتهم فالأيام كفيلة بأن تنيلهم مطالبهم إذا ظلوا على التناغي بحقهم والإشادة بقوميتهم، ومثل هذا يقال في أتراك لواء إسكندرونة فإن حشد جمهرتهم فيها قد يؤدي إلى مشاكل في الآجل لا يرتاح إليها السوريون، فالأولى إعطاء من يريد من الترك والأكراد أرضاً من أملاك الدولة في أرجاء حمص وحلب... ومهاجرة الكرد والأرمن يجب في كل حال أن يمزجوا بالعرب في القرى الواقعة في أواسط البلاد لا على حدودها اتقاء لكل عادية ونحن الآن في أول السلم نستطيع التفكير والتقدير. )"
وأصبحت هذه الوثيقة لبنة أساسية لبناء سياسات شوفينية بحق الكورد أولئك الذين كانوا في تلك المناطق قبل معظم القبائل العربية المتواجدة حالياً في تلك المناطق الحدودية، ثم جاءت وثيقة محمد طلب هلال لترسم خارطة طريق شوفينية جديدة والتي جاءت استكمالاً لرسالة محمد كرد علي وبالرغم من مرور الدولة السورية ببعض الانفراجات الديمقراطية القصيرة لاسيما في فترة الخمسينيات من القرن المنصرم إلا أنها لم تستطع إزالة تلك الأفكار الشوفينية من أذهان بعض الساسة الأوائل الذين ساهموا في ترسيخ واستمرار الشوفينية في أرجاء البلاد السورية أمثال (زكي الارسوزي وميشيل عفلق ) وشددوا على تطبيقها بعد فترة الانقلابات العسكرية في الستينيات من القرن العشرين من خلال بعث وإحياء مفهوم القومية العربية وتكريس فكرة إذابة كل المكونات الأخرى في البوتقة العربية من خلال التعريب والتجريد السياسي والثقافي والاجتماعي وزرع كُتل وتجمعات من العناصر العربية في قلب مناطق التواجد الكوردي (مستوطنات المغمورين)
إلا أن كل تلك الإجراءات لم تثنِ الكورد وحركتهم السياسية في الرضوخ لتلك الممارسات حيث استمرت الحركة السياسية الكوردية بفضح كل هذه الممارسات الشوفينية منذ البدايات وذاق القادة الأوائل مرارة السجون، وعندما بزغ بصيص من الحرية في المناطق ذات الغالبية الكوردية بعد (2011) أعاد بعض الكورد ممن استلموا ناصية الحكم في تلك المناطق إلى أذهان الشعب كل من ( محمد كرد علي ومحمد طلب هلال والشوفينيين الآخرين) وبدلاً من إعادة الأمور إلى نصابها وتصحيح ما خرّبه الآخرون قاموا بحماية تلك المستوطنات وتفننوا باختراع آليات جديدة لتفريغ المناطق الكوردية بسلسلة من الأنظمة والقوانين التي لا تخدم سوى أعداء الكورد، فمهما تعددت الإجراءات والأساليب بحق الكورد الذين يعيشون على أرضهم التاريخية وإن جاءت من بعض المتنفذين الكورد أو من الحكومات الشوفينية سيبقى الكورد كالسنديانة التي لا تهزها الريح وسينالون حقوقهم وإن طال الزمن.