الرأي العام public opinion

الرأي العام      public opinion

محمد رجب رشيد

مفهوم الرأي العام من المفاهيم الحديثة، لم تُعرف إلّا مع أواخر القرن الثامن عشر إبّان حرب الاستقلال الأمریكیة والثورة الفرنسیة، وتبلور بشكل ملحوظ في الفترة ما بين الحربين العالميتين الأولى والثانية وما بعدها، ومن المؤكَّد أنّه لم يكن غائباً عن الحضارات القديمة، فقد عاشت یونان القديمة قروناً تحت سطوة ونفوذ مفهوم قریب من الرأي العام هو رأي الشعب، كما عرفت الامبراطورية الرومانية في أواخر عهدها الآراء الشائعة بین الناس باسم صوت الجمهور أو صوت الشعب والذي يعادل حالياً مفهوم الرأي العام. ويبقى الأهم ما ورد في موضِعين من القرآن الكريم عن الشورى -شكل من أشكال الرأي العام- قال الله سبحانه وتعالى (وأمرُهم شورى بينهم)، (وشاورهم في الأمر)
تُعَدُّ مقارعة الرأي بالرأي الآخر أساس الوصول إلى الحقیقة أو ما یقرب منها، وبنفس الوقت هي عامل أساسي من عوامل تشكيل رأي عام سلیم یصعب تغييره أو اختراقه بغرض تضلیله. ويُعدُّ تأثيره على مراكز صنع القرارات في الوقت الحالي من أهم العلامات الفارقة بين المجتمعات المتحضِّرة والأخرى المتخلِّفة. إذاً ما هو الرأي العام؟ وبماذا يختلف عن الاتجاه العام؟ وما هي عوامل تشكيله؟ وآليات معرفة اتجاهه ومقداره؟ وما مدى أهميته للدول؟
ما زال الرأي العام من المفاهيم التي يصعب على الباحثين تحديدها بِدِقّة، لارتباطه الوثيق بالأفراد والمجتمع وقضاياه المختلفة، مِمّا يُضفي عليه طابع الشعبوية إلى حدٍ ما، وبالتالي لا بدّ أنْ يتأثّر بمفاهيم أُخرى من قبيل الاتجاه العام، العادات، التقاليد، المعتقدات، السلطة الحاكمة....إلخ، وهذا يعني استحالة الاتفاق على تعريف موحّد جامع له. ولكن يمكننا القول:
الرأي العام ظاهرة من ظواهر القناعة الجماعية، نشأ مع نشوء المدن وبدء تكوين الحياة السياسية في أبسط صورها بين الحُكام والشُّعوب. ويُعرف بالتعبير الواضح والصريح الذي لا شكّ فيه عن وجهة نظر أغلبية الشعب حول مسألة يحتدم فيها النقاش، تثير اهتمامها، وتمسُّ مصالحها، أو حول أشخاص ذات نفوذ وتأثير مباشر -سلباً أو إيجاباً- على مستقبل الشعب. إنَّ عدم الإجماع على تعريف موحّد للرأي العام، ووجود آراء أخرى مخالفة لا ينتقصان من أهميته وإمكانية وصفه بالعام، لأنّه محصلة تفاعل اكتملت حلقاته، وليس مجرّد إحصاء للآراء الفردية.
من الأهمية بمكان هنا التمييز بين الرأي العام من جهة والعادات والتقاليد والمعتقدات والقيم المتوارثة والاتجاه العام من جهة أخرى وعدم الخلط بينها، فالرأي العام يدور حول مسائل هي موضع جدال ونقاش، بينما العادات والتقاليد َوالمعتقدات العامة والتي رُسِخَت عبر العصور في أذهان الشعب لم تعُد مثار نقاشٍ عامٍ، ورغم ذلك نلاحظ تقلَّص مساحة نفوذها يوماً بعد يوم في الوقت الذي تتسع فيه دائرة الرأي العام لتشمل الكثير من القضايا التي كان نِقاشها من المحرَّمات كالحرية الشخصية والديمقراطية وحقوق الإنسان والمساواة بين الرجل والمرأة، ... إلخ. أمّا الاتجاه العام فهو مفهوم آخر مكمِّل للرأي العام وأحد مصادره، ويعبِّر عن حالة افتراضية أو متوقّعة تعكُس دافع أو ميل لدى معظم أفراد الشعب لتبني وجهة نظر معينة حول تأييد أو رفض موقف لم يتحدّد بعد، أو حول تغيير معيّن يمكن حدوثه مستقبلاً.
تتفاعل عِدة عوامل لتشكيل الرأي العام، منها ما هي دائمة وأخرى مؤقتة، وتختلف بعض الشيء من مجتمع لآخر، من أهمِّها -بالإضافة إلى ما ذُكِرَ سابقاً- وسائل الإعلام، الشائعات، الوعي العام، مستوى المعيشة، الاستقرار السياسي أو عدمه، انتشار الاضطهاد أو عدمه، مساحة الحرية المتاحة، نوعية السلطة الحاكمة. بعد تشكيل الرأي العام لا بدّ من توفُّر مناخ تسوده الحرية الشخصية ليكتمل نضوجه وفعاليته، وإلّا لن يكون مسموعاً من أحد وبالتالي لن يكون له وزن. تُعدُّ استطلاعات الرأي بكافة أشكالها التي تُجريها مراكز الدراسات والأبحاث بالإضافة إلى الانتخابات -الرئاسية، التشريعية- الآليات الرئيسية والصادِقة للوقوف على الرأي العام في أي دولة من دول العالم.
إنّ قوة تأثير الرأي العام على مراكز صنع القرار لا يمكن تجاهلُها بعد الآن في أي مجتمع أو دولة من عالمنا المعاصر الذي يشهد تقدماً هائلاً وانتشاراً واسعاً في تكنولوجيا الاتصال والمعلومات مِمّا يتيح للجميع متابعة كل ما يجري في العالم لحظة بلحظة. إنّه كالضغط الجوي تماماً، صحيح أنّه لا يُرى بالعين المجرّدة ولكِنّه موجود حقاً ومُؤثِّر، تزداد وتنخفض مِقداره من مكان إلى آخر. لقد استحوذ الرأي العام مؤخراً على اهتمام الحكومات ومراكز الدراسات والأبحاث كعِلم له نظرياته وفلسفته وطُرق استطلاع اتجاهاته ومقداره وتوظيفه من قبل الأنظمة السياسية المختلفة سواءً أكانت ديمقراطية أم غير ذلك، لأغراض تتعلّق بصياغة برامجها وتحديد أهدافها وتوجُّهاتِها بما يتوافق مع اتجاهات الرأي العام قدر الإمكان لكسبه أو تحييده على الأقل. أمّا تجاهُله فقد يكلِّف الدولة والمجتمع ثمناً باهظاً يفوق بكثير ثمن أخذِه بعين الاعتبار! فلنَعتبِر.