ويحدثونك عن ياسمين الشام

ويحدثونك عن ياسمين الشام

نسرين تيلو

صباحات حزيران.. برد يرتديني، وأنا أجهز نفسي للتوجه إلى الجامعة. تجفلني برودة ماء الصنبور حين اغسل وجهي. . والأمر يختلف في الظهيرة مع ارتفاع الحرارة وذروة المرور الخانقة. حين تشتد وتيرة التوتر والإرهاق المرافقة لصياح الباعة وأبواق الباصات الهادرة. جارتي المواظبة على بث النصائح تطفح نبرتها بحرص يشبه عطف الأمهات. وأبتسم في سّري عندما تبالغ في النصح. محذرة إيايَّ من الخروج بمفردي. تسرد لي حكايا مخيفة تقع كل يوم، كثيرٌ منها يقيّد ضد مجهول.. متلازمة الشام مستني كصدمةٍ بعد أول مرة. وربما مست آخرين مثلي، بعد قراءاتنا لمئات القصائد والنصوص عن رقة الشام والربوة، وعذوبة بردى، وكأول مدينة مسكونة في التاريخ. تبارى لها الشعراء وكيلت لها المدائح جزافا، وفنانون تباروا في إبداع لوحاتهم الانطباعية عن حواري الشام القديمة وأسواقها التاريخية. ومكتباتها العريقة. ولشد ما علق بذهني المكتبة الظاهرية ونفائس مخطوطاتها النادرة. لكن محنة نهر بردى كانت أول صدمتي بلونه العفني كمصب لمجاري الصرف الصحي. راعني الهواء المسموم بأكاسيد الكبريت والهيدروجين والآزوت وذرات الرصاص وهباب الفحم والغبار، المنطلق من عادمات الحافلات كقطارات فحم من عهداد وثمود ... مع روائح الفلافل بالزيوت المقلية، وصراخ الباعة.
وحين كان أزيز مناشير عمليات البناء يرافق الجوقة، أدنو من فقدان التوازن. أكوام نفايات ترتفع كتلال صغيرة في كل زاوية وصوب إلى جانب جدران ملئت بإعلانات عشوائية. أكثرها تردد عبارة { كلب ابن كلب كل من يرمي الزبالة هنا ...} حتى يخيل إليك أن الكل يرى الكل أبناء كلاب. بصري يجول في المدى تزيغه عشوائية البناء، وانهيار معايير الجمال. ارتفاع مفاجئ لمبنى هنا، ودغلٌ اسمنتي هناك، بين عشوائيات منبطحة على مد البصر، تملأ الوديان وتتسلق سفوح قاسيون التي حازت ازقتها الملتوية شكل المتاهات ببراعة. حينها ترضخ عيناي كعيون الشام التي رضخت للقبح مقياسا وعرفاً وقانوناً، ولكني كنت أسأل نفسي في كل مرّة، كيف أتقن القوم كل هذا النشاز والتنافر؟ تنافر كأنما يعكس تنافر البشر أجناسا وأذواقاً، في ذاك الفسيفساء العجيب! وربما كان مرآة لحقيقة افتراس الحاكم للمحكوم. او رواية عداء خفي مستفحل بينهما، ليبقى الفقر علامة فارقة تكتسح الجهات بؤساً بلا حدود. حينها كنت اتمنى لو ينمو لي جناحان كبيران أعود بهما على الفور إلى القامشلي مدينتي الجميلة.
قبل مغادرتي الشام بيوم واحد طلبت من جارتي مرافقتي الى التسوق في سوق الحميدية، رحبت ورافقتني بغير تردد. ركبنا الحافلة، لأن التاكسي وفق قناعتها مجازفة عندما لا يرافقنا رجل. وراحت الحشود تتدافع عند بابه ليرتص بالأجساد قياما وقعودا. معاون يجمع أجرة الركاب لا يتوقف عن الصياح أريب،، اريب خوفاً من اختلال توازن الباص حين يزداد الثقل والحمولة في المقدمة.
في سوق الحميدية بقيت جارتي حريصة على الأمانة التي هي أنا. وكلما غبت عن عينيها لحظة وسط الزحام، يرتفع صوتها مناديا باسمي. ثم تلتفت لتراني إلى جانبها فنبتسم سوياً. انتهينا من التسوق. وأزمعنا العودة في ذروة الازدحام وسط ظهيرة قائظة.
وقفنا بانتظار الباص في موقف بلا مظلة. بقيت أمُّ عليٍ ممسكة بيدي كمن يخشى على طفلته من الضياع. دنا أول باص، وتدافعت الحشود على بابه. وماهي الا دقائق حتى ُرصّ بالأجساد البشرية من جديد والوقوف ضعف الجالسين. وأمُّ عليٍ لازالت مصّرة على رفض مقترحي، باستئجار تاكسي، بل تردد حذار أن تفلت يدك من يدي.
كان من الصعب حشر النفس بين تلكم الجموع. لكنها تقدمت تجر يدي صاعدة الباص. وما أن وطأته حتى تحرك وأُفلتت أيدينا. راحت تنادي: قف قف ابنتي هناك بقيت لوحدها. وأنّ للسائق أن يبلغ أذنيه النداء.. علا صراخها وانفجرت حمرة وجهها غضبا، والباص يمضي ويبتعد، وهي مسمرة ببابه. وأنا في مكاني أبتسم من وصايا أم علي، التي عصفت بها الفوضى العارمة عرض الحائط. كنت ابتسم رغم قلقي عليها. وبقيت في مكاني احتراما لقلقها اللامحدود.. قبل وصول الحافلة التالية. لاحت أم علي كأنما تتدحرج في الطريق وهي تقفل عائدة مسرعة لا تلوي على شيء. لوّحتُ لها بيدي من الرصيف المقابل. لكن عيونها بقيت تحوم في كل الجهات. إلا الجهة التي أقف فيها. وعندما لمحتني أخيراً . غذت الخُطا مسرعةً إليّ. حين وصلت كانت تلهث وتحدثني بصوت متقطع الأنفاس. الحمد لله أنك ما زلتِ واقفةٌ هنا. أرأيت ما فعله السائق؟ حاولتُ النزول لكنه لم يتوقف. حتى شقّ أحد الشبان طريقه بين الصفوف ولطمه على رأسه. فقام الآخر من مكانه ليدافع عن نفسه. بقي الشاب يردد على مسامعه.. ألم تسمع صوت هذه الأم المسكينة لقد تركت ابنتها في الشارع؟ بيد أن السائق يردّ عليه لا أستطيع فتح الباب إلا في المواقف الرسمية.
كنت أتخيل المشادة التي وقعت في الباص بسببي. والركاب الذين تعاطفوا معها، وهم يتخيلون أن طفلتها ضاعت في الزحام. واهٍ يا أمُ علي.. الحمد لله أن أحد من الركاب لا يتذكرني عند بوابة الباص وأنت قابضة على كفي ليروا أن طفلتك التي تدّعين لم تكن سوى شابة في العشرين. كنت أبتسم في سرّي بينما تدمع عيوني اليوم لوفاء أُمُ علي التي تبنت رعايتي كأم ٍ رؤوم.
يا للشام ويالياسمينها المفقود .. وما كتبه عنها المتغزلون وهماً.. وهم يتجاهلون الأحزان على خريطة وجهها.. ينفثون المديح فوق اكدارها برائحة التزلف.. كلهم قرؤوأ لون البكاءعلى وجنتيها. لكنهم خدعوا أعينهم.
عجيب أمرهم كيف لم يسمعوا نشيج سعالها وأنفاسها المتهالكة من رئة مفلوحة بالسموم؟ هأنذا اختصر كارثة الشام مع قلقي في كبسولة فيسبوكية لا يسعني إلا أن أودع معها نفحة فُلٍ من جنينة بعيدة عن قلب الشام، لا زالت أيادي أمُّ علي تسقيها ولهاً. وقلبي يرويها من كأس الوفاء.