جوهر الحياة
هشيار ميجر
نحن لم نأتِ لهذه الحياة لنقضيها ونحن نستعد لما هو بعدها، ففي ذلك مغامرة كبيرة لأننا لا نملك إمكانية إعادة عجلة الزمن إلى الوراء وإعادة محاولة العيش بطريقة أخرى، هي فرصة واحدة لا نملك غيرها، فالحكمة من اختيارنا لنكون جزءاً منها هي أن نكون نحن الحياة ونسخر لها كل ما نملك من مشاعر وأحاسيس وأفكار، كي لا نكون مجرد أرقام فيها وعابري سبيل بين نقطتي الولادة والموت مستسلمين لكل الظروف والعوامل التي ليست سوى عوائق تمنعنا من معرفة ذاتنا وكشف حقيقتها.
المكان، الزمان، الأشخاص، العادات، التقاليد، الدين، العمل، المادة، كل هذه الأمور التي لم تخلق لنا سوى صورة مزيفة عن ذاتنا، وتدفعنا إلى الغرور والشعور بالعظمة والإحساس بأننا الأفضل أو على العكس من ذلك قد تجعلنا نستسلم للشعور بالدونية، وأننا أقل قدرة على الارتقاء لما هو أفضل، هي كل ما يرسخ في ذهننا وجود أشكال مختلفة للحياة والتي يكمن جوهرها الحقيقي في كيفية تعريفنا لكل ما يرتبط بها بالاعتماد على أحاسيسنا فقط كي لا نفشل في التأقلم معها متأثرين بما فرض علينا من الألم، الحزن، المعاناة، الحاجة والتي لكل منها حلول ايضاً فقط إن أدركنا أنها يجب أن تكون نابعة من إيماننا بقدرتنا على التغيير، وهذا التغيير لا يمكن إدراكه أبداً مالم نطوّر ذاتنا بالمعرفة ونصقلها بكمِّ التجارب التي سنمر بها في رحلتنا لاجتياز المسافة بين نقطتي البداية والنهاية مهما كانت صغيرة أو تافهة، وهكذا فقط سنكون قادرين على إيجاد المخارج لإنقاذ أنفسنا من كل هذا العبث والفوضى التي قد ترافقنا طوال سنين حياتنا بسبب
الحقد، الحسد، الكراهية، العصبية، العنصرية التي لن تزيدنا إلا بؤساً وفشلاً وستجعل من حياتنا جحيماً نحترق فيه لوحدنا ولا أحد سوانا.
ولتكون حياتنا ذات قيمة حقيقية لا بد لنا من أن نزرع الحب في انعكاس صورة كل شيء حولنا، نسقط ذلك الشعاع على المدى اللامنظور، لا نبخل به على الآخرين وعلى أنفسنا وأن لا نرسم له حدوداً ونقيده بشروط ونمنحه بسخاء ولا ننتظر مقابلاً لنحقق السعادة، الطمأنينة، وراحة الضمير ونغادر ونحن مؤمنون أننا استطعنا أن نرد جزءًا بسيطاً من الكثير الذي قدمته لنا.