كـورد وسكوتس وكتالـون
عبدالحميد حسين
يعيش ما يقرب من سبعة آلاف شعب مختلف حول العالم في 196 دولة فقط، والعديد من هذه الشعوب محكومة ضمن دول لا تلبي طموحاتها القومية، بل أن بعض هذه الدول تذهب باتجاه إفناء شعوب وطمس ثقافات لصالح القومية الحاكم، ولنا في الدولة التركية خير مثال، فقد ذهبت هذه الدولة إلى أبشع الأساليب للقضاء على الكورد وثقافتهم، وقبل ذلك ارتكبت عمليات إبادة جماعية بحق الشعوب المسيحية أدت إلى تصفير عددهم في تركيا فقد تم إبادة نحو أربعة ملايين مسيحي ويزيدي ولنعرف ضخامة هذا العدد يكفي أن نعرف أن عدد سكان تركيا وقتها لم يكن يتجاوز العشرين مليون، أي تم قتل عشرين بالمائة من السكان وقتها، هذا طبعا غير المهجرين والمخفيين قسريا، إلا أن الكورد أظهروا من المقاومة والعناد ما مكّنهم من حفظ وجودهم هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى ساعدت الهوية الثقافية الكوردية في حفظ هذا الوجود، فالكردي لم يقبل يوماً التخلي عنها كما فعلت الكثير من الشعوب الإسلامية، فأنت لا تعرف ما هي هوية الباكستاني سوى أنه ملتزم بالدين الإسلامي وكذلك الأفغاني والعربي الذي يطمس هويته القومية بدينه، وأما الكوردي فقد حافظ على كل مكونات ثقافته بدءاً باللغة والقصص التراثية التي تبجل البطولة والنبل والفلكلور الغنائي السلس وليس انتهاء بالدبكات الشعبية والأزياء التي يحرص الكوردي على ارتدائها كاملة متوجة بحطة رأسه الحمراء حتى في قصر الإليزيه، فالهوية الثقافية والقومية الكوردية تتفوق بشكل واضح على الدينية، فالكوردي كوردي أولاً، والحقيقية يمكن اعتبار هذه الهوية روح القومية الكوردية الساعية أبداً للحرية، فلولاها لما كانت هناك أية حاجة لأي طموح قومي، وفي تركيا ذاتها تعيش الكثير من الشعوب أو بقاياها، ولكنهم تخلوا عن هويتهم وصاروا أتراكاً، منهم مثلاً الرئيس التركي الذي ينتمي للقومية الجورجية، بينما ذكر المفكر التركي إسماعيل بيشكجي الطيب الذكر في كتابه كوردستان مستعمرة دولية كان يكفي للمعتقل السياسي الكوردي أن يقول أمام المحكمة: أنا تركي وأنا سعيد بذلك،، ليتم الإفراج عنه ويتخلص من التعذيب الوحشي، ولكن الكوردي كان سعيداً بالبقاء في السجن منتشياً بهويته الكوردية.
بالعودة لقضية الطموح القومي، فالعديد من الشعوب حول العالم تسعى للظفر بحالة سياسية تضمن لها شيئاً من الخصوصية تحمي هوياتها القومية وثقافاتها، قد تكون فيدرالية أو حتى استقلالا، بينما تكتفي البعض الآخر بالتمتع بالمزايا التي توفرها الديمقراطية، مثال سويسرا المكوّنة من قوميات مختلفة ولكنك لا تجد أية نزعات استقلالية لوجود حالة ديمقراطية متقدمة جداً توفرها دولة المواطنة والقانون بأعلى معاييرها.
حالة سويسرا نادرة، لا توفرها سوى القليل من النظم السياسية، والحقيقة أن فهم الآليات الديمقراطية في هذه الدولة صعب جداً لأنها على درجة عالية من التصنيع والإتقان والدقة وهي تعمل تماماً مثل الساعة السويسرية ، فالديمقراطية السويسرية تحل المسائل الجدلية بالاستفتاءات الشعبية المباشرة، ، وعدا ذلك تجد أن العديد من الشعوب حول العالم بمن فيهم شعوب الدول الديمقراطية مثل المملكة المتحدة وأسبانيا تسعيان للانفصال مثالي السكوتش والكتالون، وإجمالاً يمكن القول أن هناك ثلاثة أقاليم نشطة تطالب بالاستقلال بشكل حثيث اليوم ، ومن غير المرجح أن تتخلى عنها ويمكن لقضاياهم أن تفوز، بينما المئات من الأقاليم الأخرى تبدو هادئة وإن كانت ترفع الصوت من وقت لآخر.
نقطة أخرى مهمة جداً وهي أن مطالب جميع الشعوب التي لا تملك دولاً وتطالب بها تقابل بالتجاهل والتهميش حيث ينظر إلى حالة إعادة تشكيل الخرائط ورسم الحدود كتهديد للأمن القومي والسلم الإقليمي والدولي وقد قال رئيس المفوضية الأوربية السابق جون كلود دونكر:‘‘ لو سار كل إقليم في الطريق الخاص به لأصبح من الصعب إدارة الاتحاد الأوربي،، ولهذا تجد التهميش الذي تلقاه كتالونيا التي أجرت استفتاءين للاستقلال عن إسبانيا كان آخرها عام 2017 حيث صوتت الجماهير بنسبة 90 بالمائة لصالح الاستقلال ولكن تم رفض النتيجة من قبل مدريد، وجرى اعتقال سياسيين مناصرين للاستقلال وزجهم في السجون في سابقة نادرة ضمن الإتحاد الأوربي، وأما في اسكتلندا فقد صوتت الجماهير عام 2014 بنسبة 55 بالمائة لصالح البقاء في المملكة المتحدة ولكن الأصوات تتعالى اليوم بقيادة رئيسة الوزراء نيكولا سترجن للمطالبة بتنظيم استفتاء جديد بعدما ربح حزبها الانتخابات البلدية التي جرت مؤخراً عقب خروج بريطانيا من الإتحاد الأوربي، وهذا ما غير المعطيات حسب الوزيرة والتي تستدعي تنظيم استفتاء جديد، تستقل فيها اسكوتلندا بموجبه عن المملكة المتحدة وتنضم للإتحاد الأوربي، فالمزاج العام هناك أوربي على عكس أنكلترا.
لن أعيد ما يتعلق بالاستفتاء الذي تابعناه جميعا بشغف عام 2017 في جنوب كوردستان، إلا أن المؤكد أن جموح انفصال إقليم كوردستان عن العراق أقوى من أسكلتندا وكتالونيا، وذلك لضعف وهشاشة المؤسسات العراقية الفاسدة والتي يمكن وصفها بصعوبة بالديمقراطية، فهي بالنهاية تعتمد على شخصيات وأحزاب دينية تأخذ أوامرها من شخصيات دينية أخرى قابعة وراء الحدود، ولكن لإقليم كوردستان ميزة أخرى قوية لا تملكها أية من الأقاليم الساعية للاستقلال وهي وجود قوات عسكرية وأمنية خاصة بها تتفوق على القوات العراقية المركزية، وفقط هذه الميزة تجعل من الإقليم الجنوبي مرشحاً أقوى من أسكوتلندا وكتالونيا، وقد رأينا حرص الرئيس البارزاني عليها فهي الوحيدة القادرة على تحقيق هذه الخطوة وحمايتها، والتي تنتظر فقط القليل من الانتباه والتشجيع الدوليين ليتم الإعلان عنها الذي سيتم وإن طال أمد الانتظار.