مَلَكَة الذكاء

مَلَكَة الذكاء

محمد رجب رشيد

يتميّز الإنسان -دون غيره من المخلوقات- بِمَلَكَة الذكاء المنتجة للمعرفة، وبها وحدها استطاع التفوُّق على الكائنات الأخرى. إذ ذلَّل الأنعام، وسخّر كل ما في الطبيعة لخدمته، ثمّ غاص في أعماق المحيطات وخرق الفضاء، وتمكّن من تفجير نواة الذرّة، ثمّ كانت القفزة الكبرى مع ثورة الاتصالات -التي جعلت العالم قرية صغيرة- ومؤخراً إنتاج الذكاء الاصطناعي الذي تفوّق عليه في السرعة والدِقّة. لكِن وكما نعلم هذا لا يعني أنّ جميع الناس بنفس السوية من الذكاء، وبنفس الوقت لا ينفي وجود الأغبياء بينهم؟ نعم! الواقع ينفي توزُّع الناس بين أذكياء بالمطلق وأغبياء بالمطلق، الذكي والغبي ما هما إلّا صفتين، تُطلق الأولى على الأشخاص الأكثر ذكاءً، وتُطلق الثانية على الأشخاص الأقل ذكاءاً، فالذكاء لا يبدأ من نقطة معيّنة وما دونها غباء، وإنّما هو مستويات تتراوح بين حدّيه الأدنى والأعلى. ومن الجدير بالذِكر هنا وجود مفاهيم أخرى مشابِهة كالتفوُّق والموهبة والعبقرية، هي مستويات متقدمة من الذكاء مُطَعّمة بالإرادة والصبر والإيمان بالهدف.
بعد هذه المقدِّمة نجد أنفسنا أمام كَمْ هائل من الأسئلة أهمّها: ماهو الذكاء؟ وأخرى من قبيل: هل هو وراثي أم مكتسب؟ وكيف نحدِّد مستواه؟ وهل الذكاء عام لدى الشخص الواحد؟ أم إنه محصور في مجال ما؟ وما هي أنواعه؟ وهل لِتفوُّق الشعوب على بعضها علاقة ما بالذكاء؟
سيبقى الذكاء لغزاً محيِّراً، نرى آثاره دون معرفة ماهيّتِه، وحتّى الآن لا يوجد تعريف موحّد متفق عليه للذكاء، هناك تعريفات قديمة وأخرى حديثة، تتقاطع في بعض النقاط بحيث يمكن استنتاج التعريف التالي: الذكاء هو القدرة على حل المسائل الرياضية المعقّدة وسرعة التعلُّم وتنسيق الأفكار والتحليل المنطقي للأحداث والمشاكل والصعوبات ثم بناء الاستنتاجات لإيجاد الحلول، كما يشمل أيضاً التفكير المجرّد، والتفاعل مع ما يستجِد من الأمور بتوظيف المخزون العقلي من التجارب السابقة. وخلافاً للاعتقاد السائد لدى عامة الناس بالربط بين الذكاء وقوة الذاكرة، فإنّ علم النفس الحديث يعتبر الذكاء مَلَكة مستقلة تماماً عن الذاكرة.
من المؤكَّد أنّ الذكاء يُولد مع الإنسان إما لعوامل وراثية أو لأسباب أخرى غير معروفة، ومن المرجّح إمكانية تنميته في السنوات الأولى من عُمر الطفولة، بالطبع هذا لا يعني اكتسابه بالتعليم والتمرين فيما بعد رغم أهميّتهما في عملية استثمار الذكاء في أي مجال من مجالات الحياة. لذلك تتمُّ عملية تحديد مستوى ذكاء الأشخاص في سن الطفولة فقط، من التجارب العملية على ذلك تمّ الفصل بين توأمين بحيث عمِل كل واحد منهما في بيئة مختلفة عن الأخرى، لوحظ فيما بعد أنّ مستوى ذكائهما بقي متقارباً. وإليكم هذه الطُرفة الدّالة على ذلك: جاء رجل إلى بيتهوفن ليتعلّم منه التأليف الموسيقي، فقال له بيتهوفن: مازلت صغيراً على الموسيقا ياعزيزي، ردّ الرجل: ألم تكن طفلاً عندما ألفّت أول مقطوعة موسيقية؟ أجابه بيتهوفن: صحيح ولكن لم أذهب إلى أحد لأتعلّم منه!
حسب الأبحاث العلمية الحد الأدنى للذكاء هو /٧٠/ أمّا الحد الأعلى فهو /١٤٠/ ومتوسط الذكاء لدى البشر /١٠٠/ وأكثر من /١٤٠/ يعني العبقرية. رُبّ سائل هنا: من أين جاءت هذه الأرقام؟ إنّها ناتجة عن قِسمة العمر الذهني للطفل على عمره الحقيقي ثمّ ضرب الناتج بمائة. ويُحدّد العمر الذهني بالإجابة الصحيحة على أسئلة عمر ما، حيث إنّ لكل عمر من أعمار الطفولة أسئلة خاصة يُختبر بها الطفل لتحديد مستوى ذكائه. قد يتساوى العمر الذهني مع العمر الحقيقي (متوسطي الذكاء)، أو يزيد عليه (عالي الذكاء) أو ينقص عنه (منخفض الذكاء). وللتوضيح أكثر إذا استطاع طفل عمره عشر سنوات الإجابة على أسئلة عمر /١٢/ سنة يكون مستوى ذكائه /١٢٠/ حسب العملية الحسابية السابقة، وإذا استطاع الإجابة على أسئلة عمر ثماني سنوات ومادون فقط يكون مستوى ذكائه /٨٠/، ..... وهكذا. رغم قِدَم هذا الاختبار مازال يُعمل به إلى الآن، أمّا الأحدث فهو اختبار الأطفال على تعبئة الفراغات في الأشكال الهندسية الناقصة، ويعتمد على البصر وسرعة البديهة في اختيار أشكال هندسية صغيرة مناسبة من بين عدة أشكال متشابهة لملئ الفراغات في أكبر عدد ممكن من الأشكال الهندسية الكبيرة والمختلفة خلال فترة زمنية محدّدة. ما يُؤخذ على هذين الاختبارين هو عدم القدرة على تحديد الأشخاص ذوي الذكاء العالي جداً أو المنخفض جداً، وتعذّر إمكانية تحديد العبقرية في جميع المجالات. ولمعرفة مستوى ذكاء كِبار السِن فإنّ أبسط اختبار هو الأسئلة الحسابية التي تتضمّن النسبة والتناسب، وخاصة المسائل التي تتصمّن معرفة نسبة عمر أب إلى عمر ابنه بعد عدد معين من السنوات، وكذلك مقارنة الأحجام الكبيرة مع الأحجام الصغيرة لمعرفة النسبة بينهما.
اعتقد القُدماء أنّ الذكاء عام لدى الشخص الواحد، بمعنى أنّ الذكي في مجال ما لا بُدّ أنّ يكون ذكياً في جميع المجالات، هذا الاعتقاد كان مقبولاً لبساطة الحياة حينها. لكن مع تعقيد الحياة وزيادة الأنشطة وتعدد الاختصاصات والفروع العلمية تبيّن أنّ الذكاء ليس عاماً، وإنّما محصور بمجال الهواية المُحبّبة للشخص، مِمّا يعني وجود عِدة أنواع منه كالذكاء العلمي، الذكاء الأدبي، الذكاء الفلسفي، الذكاء الاجتماعي، الذكاء الموسيقى، وذكاء ألعاب العقل كالشطرنج ومكعب روبيك، ...... إلخ. وتبين أيضاً أنّ الشخص الذكي في الشطرنج لا يكون ذكياً بنفس الوقت في الموسيقا أو غيرها، وبذلك سقط الاعتقاد القديم بِكَون الذكاء عام لدى الشخص الواحد.
أمّا تفوق الشعوب على بعضها فلا يعود إلى ذكاء أفرادها رغم أهميّته، وإنما يعود إلى أسباب أخرى من قبيل نوعيّة النظام السياسي الحاكم، امتلاك القوّة العسكرية، الاهتمام بالبحث العلمي، وتقدير الكفاءات،..... إلخ.
كونفوشيوس، كوبر نيكوس، غاليلو، دافنشي، أحمدي خاني، بيتهوفن، زرياب، أديسون، اينشتاين، هنري كيسنجر، كاربوف، كاسباروف، .... إلخ. العامل المشترك بين هذه الأشخاص هو الجمع بين الذكاء الحاد والإبداع. مِمّا يدلُّ على أنّ كل مبدع ذكي، وليس من الضروري أنْ يكون العكس صحيحاً. فالإبداع هو نِتاج التزاوج بين الذكاء الحاد والبيئة الصالحة، وهذا يقودنا إلى حقيقة وجود الكثير من الأذكياء مِمّن لم يسمع بهم أحد، ولم يفيدوا مجتمعهم أو حتّى أنفسهم لعدم الإهتمام بهم منذ الصغر وتوفير البيئة الخصبة لإظهار ابداعهم. ومن هنا تأتي أهمية مراكز الدراسات والبحوث العلمية في اكتشاف المواهب ورعايتها ودعمها بكل ما يلزم لإنتاج المعرفة.