هل تنكمش أمريكا على نفسها؟

هل تنكمش أمريكا على نفسها؟

زيد حسن

معظم التصرُّفات الأمريكية المتصدرة للشاشات والصحف العالمية هي بالحقيقة انسحاب وانكماش على نفسها بالرغم من أنها تتحدث بلغة الرسوم الجمركية والضرائب على الاتحاد الأوربي والاستحواذ على جزيرة غرينلاند التابعة للمملكة الدانماركية تارة وعلى البضاعة الصينية تارة أخرى، وتهدّد إيران من ناحية أخرى بالهجوم العسكري، وتتفاوض في الوقت نفسه مع الجميع، وتنسحب بهدوء.
هذه هي الفوضى الخلاقة والمنظمة، أو يمكننا القول بالاستراتيجية الأمريكية في لملمة شتاتها في العالم وترتيب الداخل الأمريكي وتنظيم صفوفها العسكرية والأمنية والاقتصادية والصناعية حتى تبقى كما هي أمريكا قوية ومنافسة لدولة ناهضة مثل الصين لا كأمريكا قوية مسيطرة على العالم ومن ضمنها الصين هذا هو الواقع الذي فرضتها ثورة التكنولوجيا والصناعة والتجارة والثورة المعرفية في ظل سرعة التواصل بين شعوب العالم على كافة الأصعدة.

سلوك أمريكا في مواجهة الأزمات العالمية قبل بداية كل حرب عالمية أو أزمة اقتصادية كانت ترفع شعار (أمريكا أولاً) تعني حياد أمريكا وعدم التدخل في الشؤن الخارجية والانسحاب أو التخلص من الأثقال الزائدة التي تثقل كاهل أمريكا، وهذا الشعار بدا جلياً في حملات الرئيس الأميركي دونالد ترامب خلال فترة حملته الانتخابية الأولى والثانية والتي فاز بكلتيهما، حيث أنه انسحب من اتفاق باريس للمناخ والاتفاق الأمريكي الإيراني النووي وفرض سياسات حمائية على التجارة وشدد سياسة الهجرة إلى أمريكا، والخروج من منظمات الصحة العالمية وإعادة النظر في حلف الناتو والضغط على الحلفاء خاصة الأوربيين لزيادة إنفاقهم الدفاعي مع التلويح بعدم الدفاع عنهم اذا لم يدفعوا، والانسحاب من العراق وسوريا بالإضافة الى حربها الداخلية في محاربة الحريات اللامحدودة تحت عنوان محاربة الممنوعات والعصابات بالإضافة إلى الاستثمار السريع في التكنولوجيا وتطوير الدفاعات الصاروخية وتعزيز الأمن السيبراني، بل والتحول من سياسة الاستعمار من خلال القواعد العسكرية الى سياسة الاستثمار وعقد الصفقات مع دول العالم وإعادة تشكيل قواعد اقتصادية وسياسية جديدة من خلال (مجلس السلام) الذي طرحه الرئيس الأمريكي ترامب في 22 يناير 2026 خلال المنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس والذي يدعو في الظاهر الى إحلال السلام والاستقرار في المناطق التي تواجه الصراعات حيث من المفروض أن الأمم المتحدة تقوم بهذه الأدوار في العادة إلا أن الخطوات الأمريكية على كافة الأصعدة السياسية والاقتصادية والتكنولوجية و العلمية هي في الواقع تحضيرات لمواجه منافس قوي ومستعد ومنظم بشكل كبير وهي دولة الصين.

الولايات المتحدة الأمريكية من خلال متابعة سلوكها تريد أن تكون حارسة لبوابتها فقط ولا تريد أن تقود العالم بعد اليوم، هي تكافح لكي تبقى قوية في صراع وجودي مع عالم متعدد الأقطاب، هي تدير آلية لانسحاب بشكل حزر والانفعال الأمريكي هو في الحقيقة إدراكها بالوهن الذي أصابها لذلك هي تنكمش على نفسها.