انشقاقات الأحزاب الكوردية… النصر بالبيروسي

انشقاقات الأحزاب الكوردية… النصر بالبيروسي

حسين حسن إيبش

منذ تأسيس الحزب الديمقراطي الكوردستاني – سوريا عام 1957، والحركة السياسية الكوردية في سوريا تعاني من ظاهرة مزمنة تكاد تتحول إلى قدر ثقيل، ظاهرة الانشقاقات المتكررة والصراعات الداخلية. ومع مرور العقود، لم تعد هذه الانقسامات مجرد خلافات تنظيمية عابرة، بل أصبحت أحد أخطر التحديات التي تهدد وحدة الصف الكوردي وتضعف قدرته على الدفاع عن قضاياه العادلة.

فمنذ سبعينيات القرن الماضي وحتى يومنا هذا، شهدت الساحة السياسية الكوردية سلسلة طويلة من الانقسامات التي أدت إلى ولادة عشرات الأحزاب والتنظيمات الصغيرة. ولا يمكن إنكار أن أجهزة النظام البعثي لعبت دوراً خطيراً في تغذية هذه الانشقاقات، إذ سعت لسنوات طويلة إلى اختراق الأحزاب الكوردية وتشجيع الصراعات الداخلية بهدف إضعاف الحركة الكوردية وإبقائها منشغلة بصراعاتها بدل أن تتحول إلى قوة سياسية موحدة تدافع عن حقوق شعبها.

لكن الحقيقة التي يجب قولها بوضوح هي أن العامل الخارجي وحده لا يفسر هذه الظاهرة. فجزء كبير من المشكلة يكمن أيضاً في الطموحات الشخصية والصراع على المواقع القيادية. فبدلاً من أن تكون الأحزاب أدوات لخدمة القضية الكوردية، تحولت في بعض الأحيان إلى ساحات تنافس على المناصب والزعامة.
وعند التدقيق في برامج وأنظمة معظم الأحزاب الكوردية، يتبين أنها متشابهة إلى حد كبير، بل تكاد تكون نسخة واحدة مع تعديلات طفيفة. وهذا يكشف حقيقة واضحة، الخلافات ليست جوهرية أو فكرية بقدر ما هي صراعات على القيادة والنفوذ.
إن كثرة الانشقاقات وتكاثر الأحزاب الصغيرة لا يشكل فقط مشكلة تنظيمية، بل ينعكس سلباً على صورة الحركة السياسية الكوردية أمام الرأي العام الإقليمي والدولي. فبدلاً من تقديم نموذج لحركة سياسية موحدة وقادرة على تمثيل شعبها، يظهر المشهد الكوردي في سوريا وكأنه فسيفساء من الأحزاب المتناحرة التي تفتقر إلى الحد الأدنى من التنسيق والوحدة.

والمفارقة اللافتة أن معظم الأحزاب أو الحركات المنشقة ترفع شعار السير على نهج البارزاني الخالد، وتعلن دعمها للرئيس مسعود البارزاني. لكن السؤال الذي لا بد من طرحه بوضوح:

هل البارزانية تدعو إلى الانقسام أم إلى الوحدة؟

إن تاريخ الحركة البارزانية نفسه يقدم الجواب. فقد كان الملا مصطفى البارزاني في سبعينات القرن الماضي حريصاً على توحيد الصف الكوردي في سوريا، وسعى إلى جمع القوى الكوردية وتشكيل لجنة لتوحيد الحزب وتعزيز العمل المشترك. لقد كانت وحدة الصف بالنسبة له شرطاً أساسياً لنجاح أي مشروع قومي.

ومع ذلك، منذ بداية الثورة السورية وحتى اليوم، شهدنا موجة جديدة من الانشقاقات. فبعض الشخصيات التي كانت جزءاً من الحزب الأم أعلنت تأسيس أحزاب أو حركات جديدة، رافعة في الوقت نفسه شعار السير على نهج البارزاني. لكن هذه الشخصيات تتجاهل حقيقة واضحة: أن الرئيس مسعود البارزاني يدعم الحزب الديمقراطي الكوردستاني – سوريا، بل وقد حضر مؤتمره الأخير بشكل علني وصريح.
وفي كثير من الحالات، يتبين أن السبب الحقيقي وراء هذه الانشقاقات ليس خلافاً سياسياً عميقاً، بل فشل بعض القيادات في الوصول إلى المواقع القيادية داخل الحزب عبر المؤتمرات التنظيمية. وعندما تعجز صناديق الاقتراع الحزبية عن إيصالهم إلى القيادة، يلجأ البعض إلى تأسيس حزب جديد ليصبحوا رؤساء له.

وهنا يجب طرح السؤال بصراحة دون مجاملة:

هل هذا السلوك يخدم القضية الكوردية؟ أم أنه يكرس ثقافة التشتت ويضعف وحدة الموقف الكوردي في مرحلة تاريخية حساسة؟

إن تأسيس أحزاب جديدة بدافع الطموحات الشخصية قد يمنح أصحابه شعوراً مؤقتاً بالانتصار، لكنه في الحقيقة يشبه ما يعرف في التاريخ بـ ((الانتصار البيروسي))أي ذلك الانتصار الذي يتحقق بثمن باهظ، حتى يتحول النصر نفسه إلى شكل من أشكال الخسارة.

إن التاريخ لا يذكر عدد الأحزاب، بل يذكر من خدم قضية شعبه بإخلاص، ومن ساهم في إضعافها. ولذلك فإن الواجب الوطني اليوم يفرض على الجميع مراجعة هذه التجربة بجرأة، والانتقال من عقلية الانشقاق إلى ثقافة الوحدة والعمل المشترك.