باي حسن... باي...!

باي حسن... باي...!

علي جزيري

يُروى والعهدة على الراوي، أنه حين جاء الإنكليز إلى كوردستان/ العراق بحثاً عن النفط في كركوك، طلبوا من حسن، ابن إحدى القرى القريبة من حقول النفط، أن يساعدهم في الطبخ وجلب الماء وشراء حاجاتهم، ووعدوه بتسيير لجوئه إلى بلدهم. وكان المذكور سعيداً بهذا الوعد، فراح يخدمهم ليل نهار لسنوات، وحين قرب موعد رحيل الإنكليز، طلبوا منه أن يودِّع أهله ويستعد للرحيل؛ طار حسن من الفرح، وذهب إلى أهله وتهيأ للسفر، لكنه حين عاد إلى الحقل، رأى سياراتهم وهي تغادر، والانكليز يلوحون له من بعيد: باي...!
وكانت الصدمة كبيرة حين عرف حسن أنهم خدعوه... فهل تعلمنا - نحن الكرد - من تجربة المذكور حسن؟
قبل سنة ونيِّف سلمتْ أمريكا سوريا برمتها إلى "جبهة تحرير الشام"، بما فيها الجزء الكوردستاني الملحق بسوريا في الأمس القريب، وكرر توم باراك - صديق جفري إبستين - قول الإنكليز: وداعاً أيها الكرد...!
وها هو ترامب يتصل بالكرد لتحرير الجزء الكوردستاني المحتل من قبل إيران، بيد أن القيادة السياسية الحكيمة في إقليم كوردستان برئاسة مسعود بارزاني، المعروف بمواقفه السديدة، أبت أن تلدغ من ذات الجحر مرة أخرى، فمازال جرح استفتاء عام 2017 وبيع كركوك لقمة سائغة لم يلتئم بعد... ومازال الكرد يتذكرون جيداً اليوم الأسود، أعني يوم 27 آب 1979، حين شهد مطار سننداج في كوردستان/ إيران تلك الجريمة الشنعاء الصادمة بحق الكرد، حين أقدم أرباب الشر على إعدام عدد كبير وهم معصوبي الأعين أمام الملأ، عقب محاكمات صورية من لدن نظام الملالي، ثم تلته جرائم القتل والاغتيالات الممنهجة، وممارسة ارهاب قل نظيره، طيلة 47 عاماً وحتى اللحظة.
حين جاؤوا بالخميني عام 1979 من باريس، ونصبوه حاكماً على إيران المتعددة القوميات، نشر الحزب الشيوعي السوري يومها مقالة للاحتفاء بما جرى؛ وحين إلتقى نفر من قادته بالمفكر إلياس مرقص في مدينة اللاذقية، انتقدهم مرقص: ويحكم!! كيف تحتفون باعتلاء قوة تكفيرية راعية للإرهاب السلطة، ألا يراودكم الشك من تزمت أنصار ولاية الفقيه؟ انتظروا...سترون العجب العجاب، حينئذٍ ستندمون، حين لاينفع الندم...!
وصدق حدسه.
والمؤسف، مازال هناك مَنْ يتشدق بشعار أخوة الشعوب الهلامي، ويتخذه بديلاً عن المشروع القومي الكردي الذي يدعو إلى صون الهوية الكردية، في ظل مشاريع التعريب والتفريس والتتريك لموطن الكرد التاريخي، عبر القتل والتدمير والتهجير، مما يثير قلق الكرد في كل أرجاء كوردستان. فممارسة تلك السياسات الشوفينية، تشكّل خطراً على الحقوق القومية الكردية في الحرية والمساواة من جهة، واللامبالاة بدماء الشهداء التي تُراق في الأجزاء الأربعة من جهة أخرى. ما من شك أن هذه المشاريع التي تحاك علانية، تخدم الدول التي تقتسم كوردستان، بهدف تمييع الهوية الكردية (لغة وثقافة وتاريخاً وجغرافيا) بأي ثمن، وإضعاف الوعي القومي الحقيقي وتحويل الكرد إلى عبيد.
يقول محمود درويش بهذا الصدد:
(ستنتهي الحرب،ُ ويتصافح القادةُ، وتبقى تلك العجوز تنتظر عودة ولدها الشهيدَ، وتلك الفتاة تنتظر زوجها الحبيبَ، وأولئك الأطفال ينتظرون والدهم البطلَ. لا أعلمُ من باع الوطنَ، لكني رأيتُ من دفعَ الثمن...!).
بيد أننا نعلم من باع الوطن، ومن دفع الثمن؟