صراع الكبار يشتعل… والقرار السوري يُنتزع من أصحابه

 صراع الكبار يشتعل… والقرار السوري يُنتزع من أصحابه

شـــــريف علي

تعيش سوريا اليوم في قلب صراع أمريكي–إيراني محتدم يتجاوز حدودها، ويهدّد في أية لحظة بتحويلها إلى ساحة مفتوحة لتصفية الحسابات الإقليمية. ورغم أن واشنطن وطهران لا تبدوان راغبتين في حرب شاملة، فإن وجود قوات أمريكية في الشرق، وميليشيات مدعومة من إيران في الغرب والشرق، إلى جانب الضربات الإسرائيلية المتواصلة، يجعل احتمالات الانفجار الواسع قائمة في كل لحظة. هذا المشهد يضع البلاد أمام سلسلة من السيناريوهات المعقدة، في ظل غياب أي مسار سياسي فعّال أو إرادة دولية حقيقية لوقف الانهيار .
في ظل هذا التشابك، يبدو أن استمرار "الحرب بالوكالة" هو السيناريو الأكثر حضوراً. فالهجمات المتبادلة في الشرق السوري تتصاعد، ولا تزال تستخدم طهران أذرعها في لبنان والعراق كأدوات ضغط في ملفات إقليمية أوسع، بينما تعمل واشنطن، بالتنسيق مع إسرائيل، على تقليص النفوذ الإيراني وإضعاف قدراته. هذا التصعيد ينعكس مباشرة على الداخل السوري، حيث يتعمّق الانقسام، وتزداد هشاشة الوضع الأمني، رغم محاولات حكومة الشرع إظهار رغبة في تهدئة الوضع الداخلي، خصوصاً فيما يتعلق بالقضية الكوردية.
وفي خضم هذا التعقيد، برز تطوُّر لافت يتمثّل في سعي الحكومة السورية الانتقالية بموافقة تركية، إلى تطبيق اتفاقها الموقّع في 28 يناير مع إدارة الاتحاد الديمقراطي. ما يثير الانتباه أن هذا التحرُّك يجري دون إشراك القوى الكوردية الملتزمة بالمشروع القومي الكوردستاني، وهي القوى التي تمثل الشريحة الأوسع من المجتمع الكوردي في غرب كوردستان. هذا الإقصاء المتعمّد يطرح تساؤلات جدية حول طبيعة التفاهمات التي تُعقد خلف الأبواب المغلقة، وحول أسباب تغييب ممثلي هذا المحور عن ترتيبات تمسّ مستقبل مناطقهم وهويتهم السياسية.
والأكثر إثارة للانتباه أن تركيا تبدو مرتاحة لهذا الواقع؛ فهي ترى في هيمنة منظومة الإدارة الذاتية على القرار الكوردي داخل سوريا فرصة لإضعاف القوى الكوردية ذات الامتداد القومي الكوردستاني، ولإعادة تشكيل المشهد الكوردي بما يتوافق مع مصالحها الأمنية والسياسية. هذا الارتياح التركي يعكس رغبة واضحة في إبقاء القرار الكوردي محصوراً ضمن أطر يمكن التحكم بها، بعيداً عن أي مشروع قومي مستقل قد يشكل مصدر قلق لأنقرة.
في نهاية المطاف، يبقى الشعب السوري هو الضحية الأكبر. ملايين السوريين يعيشون بين النزوح والانهيار الاقتصادي وغياب الأفق السياسي، بينما تُدار بلادهم وفق مصالح القوى الإقليمية والدولية، لا وفق احتياجاتهم أو تطلعاتهم. إن استمرار سوريا كساحة صراع مفتوح يهدّد بتكريس واقع الانقسام لسنوات طويلة، وربما لأجيال، ما لم تتشكل مقاربة دولية جديدة تتجاوز منطق القوة وتضع مصلحة السوريين في صدارة الأولويات بعيداً عن المحاصصة والهيمنة الخارجية. وحدها رؤية شاملة كهذه يمكن أن تفتح الباب أمام خروج سوريا من دائرة الصراع، يعيش فيها المواطنون بكرامة وأمان، بعيداً عن صراعات الآخرين وحساباتهم.