هل حققت الثورة السورية أهدافها؟
علي مسلم
ثمّة قضايا لا يمكن قياس درجات ارتقائها أو نجاحها وفق سلالم قياسية محدّدة، ولاسيما تلك القضايا التي تتعلق بمسائل التحوُّل الاجتماعي، وذلك في المجتمعات التي ما زالت تعاني من تخلف بيئاتها الاجتماعية والسياسية، مع التسليم أن قضايا كهذه تكون خاضعة بالضرورة لمعايير النسبة والتناسب.
وبالنظر إلى المراحل التراجيدية التي مرّت بها الثورة السورية على مدى عقد ونيّف، ونجاحها أخيراً في إسقاط سلطة البعث والظفر بمقاليد السلطة في الثامن من كانون الأول 2024 يمكن القول بأن الجزئية الأولى من أهداف الثورة قد تحققت بالرغم من فداحة الخسائر، لكن بقاء التحديات التي تنطوي عليها الجزئية الثانية قائمة ويقظة خصوصاً تلك الجوانب المتعلقة بإعادة تأهيل مؤسسات الدولة، وكذلك الإخفاق النسبي في ترسيخ دعائم الأمن والاستقرار في العديد من المدن والأرياف، إلى جانب هشاشة الواقع الأمني وتهديد السلم الأهلي بين الفترة والأخرى كلُّ هذه الأمور قد تضع كل ما تحقّق أمام مخاطر الانزلاق نحو الفوضى، فسقوط الأنظمة القمعية بالرغم من أهميتها لا يعني الكثير في عوالم بناء الدول، إذا لم تقترن بقدر كاف من النجاح في الميادين المتعلقة بقضايا التنمية وتخطي تبعات الاستبداد المتوارث من العهد السابق، وكذلك التماطل في توفير المقدمات الأولية المطلوبة لتحقيق العدالة الانتقالية، والنجاح في تجاوز أبرز التحديات القائمة، والمتمثلة في إعادة ترميم البنية التحتية المدمرة، وتبنّي خطة وطنية شاملة تحقق قدر كاف من التعافي المبكر أولاً، والقضاء تالياً على الانقسامات المناطقية المبنية على النفس الطائفي وإنهاء الفصائلية المتفشية، وبالتالي جمع كل المكوّنات الوطنية على طاولة حوار واحدة، والدفع باتجاه التوافق على صياغة عقد اجتماعي جديد يعيد تعريف الوطن والسياسة الوطنية من حيث المفهوم والسلوك والممارسة، والتخلُّص من الإرث السياسي القائم على الاستبداد وسيادة اللون الواحد، وإتاحة الفرصة أمام كافة مكوّنات المجتمع السوري في التعبير عن ذاتها أولاً والاطمئنان على مستقبلها السياسي ثانياً، وذلك عبر الإقرار الدستوري بهوية المكوّنات القومية، ولاسيما المكون الكردي الذي ذاق الأمرّين دون غيره خلال عقود المرحلة الأسدية، والسعي الحثيث نحو بناء سوريا تعدُّدية ديمقراطية جديدة تعيد الاعتبار لكافة أبنائها بغضّ النظر عن الانتماء القومي أو المذهبي.
وينبغي الإشارة في هذا السياق إلى أن نجاح المسار المستقبلي للدولة السورية يتوقف على مدى قدرتها على إدارة العديد من الملفات الحيوية العالقة أولها: تأهيل البنية الداخلية لإدارة الدولة بحيث تستوعب مجمل المكونات القومية وفق معايير وطنية متكاملة، ثانيها: تحقيق التوازن بين سلطة المركز والسلطات الطرفية في المحافظات أو الأقاليم، مع ضرورة الاستفادة من تجارب الأمم التي سبقتنا في هذا المضمار ثالثها: حل معضلة الفلتان الأمني واستعادة ثقة المواطنين بمؤسسات الدولة.
وأخيراً وليس آخراً إعادة التموضع السياسي على الساحتين الإقليمية والدولية، وتوفير ما يلزم من ضمانات حقيقية لكسب المشروعية السياسية على كافة المستويات المحلية والإقليمية والدولية.