روژئاڤا كوردستان بين وهم المشاريع المستوردة وعودة البوصلة الكُردية
ديار أوسكان
لم تكن أزمة روژئاڤا كوردستان يومًا أزمة إدارة أو ظرف عابر، بل كانت في جوهرها أزمة مشروع سياسي حاول أن يفرض نفسه بوصفه قدرًا نهائيًا على مجتمع متعدد، حيّ، وذي تاريخ طويل في النضال القومي. المشروع الذي رُفع تحت عناوين براقة كـ«أخوّة الشعوب» و«الأمة الديمقراطية» حاول تقدّيم نفسه بديلاً عن الهوية القومية، لكنه في التطبيق سقط سريعًا أمام أول اختبار حقيقي للديمقراطية والتعددية.
حيث أن هذه الشعارات استخُدمت من قَبل جهاتٍ معينة كغطاء لاحتكار القرار، وإقصاء المختلف، وتجريم أي تعبير قومي كردي لا ينسجم مع رؤية الحزب الواحد. ومع مرور الوقت، تبيّن أن الحديث عن "الأمة" لم يكن سوى محاولة لإذابة القضية الكردية في مشروع أيديولوجي لا يشبه المجتمع في روژئاڤا كوردستان، ولا يعكس تطلعاته.
لعلّ التحوُّل الأكثر دلالة في المشهد العام هو عودة علم كوردستان (آلا رنكين) إلى شوارع ومدن روژئاڤا كوردستان. هذا العلم الذي كان يُنظر إليه في مرحلة ما كرمز محظور، عاد اليوم ليُرفع علنًا، لا بوصفه تحديًا، بل كحقيقة طبيعية لا يمكن إنكارها. فالعَلم لا يُفرض بالقوة، ولا يُلغى بالقرارات، بل يُعبّر عن وجدان الشعوب، وعودة هذا الرمز تؤكد أن الهوية القومية أقوى من كل محاولات التهميش.
في هذا السياق، يتجلى الدور السياسي للرئيس مسعود بارزاني بوصفه امتدادًا لنهج راسخ في مقاربة القضايا الكرُدية، حيث أنّ هذا الدور قائم على الحكمة، والشرعية التاريخية، والرؤية الاستراتيجية بعيدة المدى. فلم يكن حضوره السياسي وتحركاته الدولية سعيًا وراء الظهور والأضواء، بل تعبيرًا عن إحساس عميق بالمسؤولية القومية تجاه شعب يواجه التهميش والضغوط. كما أن إيصال قضية روژئاڤا كوردستان إلى دوائر صنع القرار الدولية شكّل عامل توازن في مرحلة دقيقة ومصيرية، وأكد مجددًا أن مَرجع الكورد وزعيمهم الحقيقي هو القائد مسعود بارزاني.
وإلى جانب هذا الدور، برز كلّ من رئيس إقليم كوردستان نيجيرفان بارزاني ورئيس وزراء إقليم كوردستان السيد مسرور بارزاني كفاعليَن أساسيين في إدارة التعقيدات السياسية المرتبطة بروژئاڤا كوردستان، ولا سيما فيما يتعلق بتهيئة الأرضية للتفاهمات والاتفاقات التي تخفف من حدة الصراع، وتفتح باب الحلول الواقعية. هذا الأدوار لم تكن عابرة، بل جاءت نتيجة فهم عميق لتوازنات المنطقة، وإدراك بأن الاستقرار لا يتحقق بالشعارات، بل بالحوار وبناء الثقة.
ولا يمكن فصل السياسة عن بُعدها الإنساني، حيث شكّلت مؤسسة بارزاني الخيرية نموذجًا عمليًا لمعنى التضامن القومي، من خلال دعمها الإغاثي والإنساني لأهالي روژئاڤا في أصعب الظروف. هذا الدعم لم يُقدَّم كمنّة، بل كواجب أخلاقي تجاه شعب يعاني من تبعات الحرب والحصار.
أما مستقبل روژئاڤا كوردستان، فلا يمكن تصوّره خارج إطار الشراكة السياسية الحقيقية، حيث يبقى المجلس الوطني الكوردي عنصرًا أساسيًا في إعادة التوازن للحياة السياسية، وضمان التعددية، ومنع عودة منطق الإقصاء. وبدعم واضح من البارزاني، تتعزز فرص بناء مشروع كردي واقعي، يستند إلى الإرادة الشعبية لا إلى فرض الأمر الواقع.
في المحصلة، ما تحتاجه روژئاڤايي كوردستان اليوم ليس مزيدًا من الشعارات العابرة، بل مشروعًا كُرديًا قومياً واضح المعالم، متصالحًا مع هويته، ومنفتحًا على محيطه، ويستند إلى قيادات تمتلك الشرعية، والخبرة، والإحساس بالمسؤولية التاريخية. وهنا، يبقى دور القائد مسعود بارزاني حاضرًا كأحد أعمدة العمل القومي وكمرجعية سياسية ونضالية ساهمت، وما تزال، في حماية القضية الكردية من الضياع.