سقوط صنم: قراءة في لحظة أفول السردية الإلهية

سقوط صنم: قراءة في لحظة أفول السردية الإلهية

هجار أمين

في خضم الصراعات الكبرى، لا تسقط الأنظمة فقط، بل تسقط معها الأساطير التي قامت عليها، اللحظة التي نعيشها ليست مجرد خبر عاجل عن اغتيال قائد، أو تفاصيل عملية أمنية خاطفة، بل هي شهادة تاريخية على أفول خطاب دام لعقود.

لطالما شكلت المفردة الدينية في خطاب المرشد الأعلى علي خامنئي أكثر من مجرد أداة بلاغية؛ لقد كانت العمود الفقري لشرعية نظام بكامله. كان الرجل الذي أمضى عمره يتوعد "الشيطان الأكبر"، ويوزع وعود النصر الإلهي باللغتين الفارسية والعربية، يكرر اسم "الله" على المنابر كل جمعة كمن يستحضر تعويذة تحصن جدران قصره الزجاجية، كان الخطاب يقول: إن الله معنا، وإن الصمود الأسطوري سيفتح أبواب الجنان، وإن الإيمان سيُري المسلمين عجائب القدرة في ميادين القتال.

لكن العلم الحديث، بتقنته العلمانية الصارمة، لا يعترف بالأساطير. لقد أثبت الواقع الجيوسياسي اليوم أن الاستهانة بالخصم، وتسميته بـ"الأصغر" لمجرد أنه لا يحمل ذات الشعارات، هو وهم قاتل. الضربة التي نفذت لم تكن معجزة، بل كانت تتويجاً لقراءة دقيقة للواقع، وترجمة للمعلومات، وتفوقاً تكنولوجياً لا يعترف بالمسافات ولا بالحصون.

النتيجة كانت مذهلة في رمزيتها: ذلك الرجل الذي ظن نفسه محمياً بعباءة "ولي الأمر"، سقط بضربة خاطفة، ليؤكد من يظن أن السماء تحميه، لا بد أن تفاجئه الأرض. إنها المفارقة الأقسى: الشيطان الأكبر الذي طالما توعدته المنابر، لم يفعل شيئاً سوى أن أفسح المجال للشيطان الأصغر ليكتب نهاية السردية المقدسة.

الضربة هنا لم تكن للنظام وحده، بل للفكرة الإلهية التي تم تسييسها، عندما ينهار الهرم بأكمله في لحظة، لا ينهزم جيش فحسب، بل تنهزم عقلية كاملة كانت تردد "قال الله وقال رسوله" كبديل عن قراءة الخرائط وفهم موازين القوى، لقد أثبت الواقع أن الاعتماد المفرط على الخطاب الغيبي في إدارة الصراعات العسكرية يقود حتماً إلى هذه النتيجة الحتمية.

لقد مل الناس في العالم من سماع شعارات الانتصار الوهمية، بينما ظل المسلمون يتجرعون الهزائم الحضارية تلو الأخرى، الخرافات الدينية التي كانت تقدم كبديل عن العلم والتخطيط، انهارت اليوم أمام واقع تقني لا يرحم. لم يعد ممكناً، بعد اليوم، تبرير الفشل بإرادة الله، أو تأجيل النصر ليوم القيامة.

هذه اللحظة التاريخية تحمل عبرة لا تُنسى: إما أن نتعامل مع العالم كما هو، بأدواته وقوانينه الصارمة، وإما أن نبقى في قوقعة السردية المقدسة، ننتظر "ظهراً" لا يأتي، بينما تصنع التقنية العلمانية تاريخاً جديداً على أنقاض أصنامنا.