الحوار الكوردي السوري.. منعطف تاريخي نحو الاعتراف والمكتسبات السياسية
أحمد آلوجي
يمثل سعي المجلس الوطني الكوردي في سوريا لفتح باب الحوار مع دمشق في هذه المرحلة الحساسة منحىً تاريخياً في مسار الحركة الكوردية السورية منذ تأسيسها عام 1957. إن هذا التحول من المواجهة إلى طاولة التفاوض، باستثناء التجربة النيابية المحدودة في عهد الأسد الأب، يعكس نضجاً سياسياً وإدراكاً لضرورة استغلال اللحظة السياسية الراهنة لتحقيق مكاسب ملموسة للشعب الكوردي.
لطالما عانى الكورد في سوريا من سياسات استثنائية شوفينية، حاولت طمس هويتهم القومية رغم أصوليتهم التاريخية والجغرافية في المنطقة. إن الاعتراف الدستوري والسياسي بالشعب الكوردي، كلغة وثقافة وحقوق جماعية، ليس منةً من السلطة بل حقاً أصيلاً يستند إلى وجود تاريخي متجذر. هنا تكمن أهمية إصرار المجلس الوطني الكوردي على تحويل الحوار من مجرد لقاء صوري إلى بوابة للحصول على مكتسبات دستورية وقانونية تحفظ الحقوق الثقافية والسياسية والاجتماعية للكورد.
تقدّم التجارب الدولية دروساً قيّمة لهذا المسار. ففي العراق، حقق الكورد مكاسب مهمة عبر التفاوض بعد عام 2003، رغم التحديات الكبيرة. كما أن تجربة كاتالونيا في إسبانيا تظهر إمكانية التوصل إلى صيغ للحكم الذاتي الثقافي والإداري ضمن إطار الدولة الواحدة. وفي المملكة المتحدة، تم الاعتراف بالحقوق القومية للأسكتلنديين والويلزيين عبر مسارات سياسية وقانونية.
غير أن نجاح هذا الحوار يتطلب عدة شروط: أولها، وضوح المطالب الكوردية وتماسكها في جبهة تفاوضية موحدة. ثانيها، استعداد النظام السوري للانتقال من منطق القوة إلى منطق الاعتراف بالتنوع. ثالثها، وجود ضمانات دولية وإقليمية تدعم المسار التفاوضي. ورابعها، فصل المطالب القومية الكوردية المشروعة عن أي أجندات إقليمية أو دولية قد تعقد المسار.
إن الشعب الكوردي في سوريا، شأنه شأن بقية مكونات الشعب السوري، يتطلع إلى مستقبل يحفظ كرامته وهويته ضمن سوريا الموحدة. الحوار الحالي يمثل فرصة تاريخية لإعادة تعريف العقد الاجتماعي السوري على أسس من المواطنة المتساوية والاعتراف بالتنوع. إن التحول من سياسة الإقصاء إلى سياسة الإدماج سيكون ربحاً لسوريا كلها، وسيخلق نموذجاً يُحتذى في التعامل مع القضية الكوردية عربياً.
ختاماً، إن الجلوس إلى طاولة الحوار خطوة شجاعة، لكنها ليست سوى البداية. النجاح الحقيقي سيُقاس بالقدرة على ترجمة هذا الحوار إلى نصوص دستورية وقوانين تضمن حقوق الكورد وتصون وحدة سوريا. هذا المسار، وإن كان شائكاً، فهو الأكثر واقعية وإنسانية في زمن يحتاج فيه السوريون جميعاً إلى جسور للعبور من مآسي الماضي إلى مستقبل أكثر إنصافاً.