الحركة السياسية الكوردية ومسارها التاريخي في سوريا

الحركة السياسية الكوردية ومسارها التاريخي في سوريا

شكري بكر

لو أردنا أن نعيد بالذاكرة إلى الوراء أي إلى بدايات تشكيل حركة التحرر الوطني الكوردية في سوريا، فإننا سنلاحظ ما يلي:
ضرورة تشكيل نواة أول تنظيم سياسي كوردي في سوريا. لهذه الضرورة جاء انطلاقة الحزب الديمقراطي الكوردستاني - سوريا والتي كان لابد من إيجاد أداة نضالية لتأطير النضال الكوردي والعمل ضمن هذا الجسم أو النواة والعمل من أجل:
1 - إيجاد جسم سياسي يمثل الشعب الكوردي على مستوى الوطني والقومي.
2 - الدفاع عن حقوق الشعب الكوردي العادلة والمشروعة وثبيته بالدستور السوري بعد جلاء القوات الفرنسية من سوريا ومنح الاستقلال للدولة السورية التي رسمت حدودها بموجب اتفاقية سايكس بيكو.
ما الذي حدث بعد انطلاقة الحزب الديمقراطي الكوردستاني - سوريا؟ الذي حدث هو أن السلطات المتعاقبة على السلطة في سوريا بدأت تشعر بأن استمرار وجود الحزب الديمقراطي الكوردستاني سيشكل خطراً على الدولة السورية، فأقدمت السلطة السورية إلى اعتقال قيادة الحزب مع بدايات ستينيات القرن الماضي، حيث مارست السلطة بحقهم كافة صنوف التعذيب والتنكيل بهم.

في هذه الأثناء جاءت مبادرة الخالد مصطفى البارزاني بدعوة الطرفين لمؤتمر وطني لإزالة الخلاف بين الطرفين.
هنا سؤال يطرح نفسه:
لماذا تدخل الخالد مصطفى البارزاني في هذا الشأن؟
لم يأتِ تدخل الخالد في هذا الشأن إلا بدافع قومي لدرء الانشقاق وإلزام الطرفين لعودة اللحمة إلى الحزب وبقائه موحدا والالتزام بالثوابت القومية للشعب الكوردي في سوريا.
هنا جاء دعوة المرحوم دهام ميرو لزيارة كوردستان العراق واللقاء بقائد الثورة مصطفى البارزاني، وبعد اللقاء تم تكليف السيد دهام ميرو القيام بتوجيه نداء للطرفين بالإضافة لبعض الشخصيات الوطنية المستقلة بهدف عقد مؤتمر بمن يحضر، وعقد المؤتمر وتم الإعلان عن قيادة مؤقتة للحزب الديمقراطي الكوردي في سوريا.
بداية ربيع القرن الواحد والعشرين إندلعت الثورة السورية في 15 آذار 2011 ، باندلاع هذه الثورة التي فرضت على الحركة الكوردية واقعا سياسيا جديدا على الساحة السورية التي أفرزت قوتين أساسيتين تمثلتا بالنظام والمعارضة.
هذا الواقع الجديد فرض على الحركة الكوردية أن تحدد مسارها السياسي بين الموالاة والمعارضة، في هذا الصدد جرت عدة اجتماعات بين الأحزاب الكوردية وعددها 17 حزبا بما فيه حزب الإتحاد الديمقراطي pyd حيث تم إصدار عدة بيانات سياسية باسم مجموع الأحزاب الكوردية في سوريا.
في تطور لاحق اتخذت تلك الأحزاب قرارا بضرورة عقد مؤتمر قومي كوردي للخروح:
1 - بمشروع سياسي يمكن اعتماده كوجهة نظر لحل القضية الكوردية في سوريا حلاً سلمياً وديمقراطياً.
2 - إطلاق جسم باسم الحركة الكوردية تمثيل الكورد في المحفل السوري والإقليمي والدولي.
إلا أن حزب الإتحاد الديمقراطي pyd انسحب من المجموع وتفرد في إعلان مجلس باسم مجلس سوريا الديمقراطية
أما الأحزاب الأخرى ال 16 فعقدوا مؤتمراً في قامشلي وإعلان جسم سياسي باسم المجلس الوطني الكوردي في سوريا، وتبنى المؤتمر وثيقتين النظام الداخلي للمجلس والبرنامج السياسي مطالبا بإقامة نظام ديمقراطي تعددي فدرالي لسوريا المستقبل.
وقبل تشكيل المجالس المحلية في المناطق الكوردية ولأسباب سياسية اتخذ المجلس الوطني قرارا بفصل ثلاثة أحزاب من المجلس لقيامها بخرق النظام الداخلي للمجلس، وهذا الخرق كان الطامة الكبرى في شق الصف الكوردي، في غضون الصراع بين المجلسين، تعرضت بعض أحزاب المجلس لسلسلة انشقاقات ثم الإعلان عن أحزاب جديدة، وهكذا تشكلت عدة أحزاب خارج إطار المجلسين، مما أدى ببعض هذه الأحزاب الدعوة لعقد اجتماع لأحزاب خارج الإطارين، وعقدوا اجتماعاً أعلنوا فيه عن تحالف أطلق عليه أحزاب الوحدة الوطنية الكوردية مقربا من الإدارة الذاتية، حيث شاركوا سياسيا وعسكريا في مؤسسات الإدارة الذاتية بعد تسلم المناطق الكوردية إلى ال pyd من قِبل النظام بموجب إتفاق الإستلام والتسليم بين النظام وال pyd .
في عهد النظام البائد كان عدد الأحزاب الكوردية 17 حزبا، أما بعد تسليم المناطق إلى ال pyd والتي تعاملت مع الواقع السياسي للحركة الكوردية عبر ممارسة كافة الممارسات من قمع وظلم واعتقالات التي طالت قيادات وكوادر أحزاب المجلس والزج بهم في غياب السجون السيئة الصيت، إلى فرض الأتاوات على الشعب وتجنيد القاصرين والزج بهم في حروب ليس لنا فيها لا ناقة ولا جمل.
في ظل سلطة الإدارة الذاتية بقيادة pyd قد قطعت الأحزاب الكوردية رقماً قياسياً مقارنة بعقدة النظام البعثي الدموي، والذي تجاوز الثمانون حزبا كورديا في سوريا.
في ظل الأوضاع السياسية السيئة في المناطق الكوردية، مما أدى بأربعة أحزاب كوردية للإعلان عن اتحاد سياسي تمهيداً لمسألة الدمج فيما بعد، ففي 7/4/2014 عقد في هولير مؤتمر الدمج وإعلان الحزب الديمقراطي الكوردستاني - سوريا.
بعد سقوط النظام البائد في 8/11/2024 على يد جبهة النصرة بقيادة أحمد الشرع والفصائل الموالية لتركيا، ومع سقوط الأسد يكون قد دخلت سوريا مرحلة جديدة تطلبت وحدة الصف والموقف الكورديين، وبرعاية من الرئيس مسعود بارزاني عقد كونفرانس قامشلو تحت عنوان: وحدة الصف والموقف الكوردي وقد أقر الكونفرانس الرؤية السياسية الكوردية المشتركة الذي أقر بجعل المناطق الكوردية في سوريا وحدة إدارية سياسية كاملة متكاملة من عين ديوار إلى عفرين.
رغم تدخل الإقليم وكل من الولايات المتحدة الأمريكية وفرنسا في بذل جهود حثيثة من أجل توحيد الصف الكوردي الذي لا بد منه كضرورة ملحة لمواكبة التطورات المتسارعة بالشأن السوري، وهذه الضرورة تقتضي تشكيل مرجعية كوردية على غرار الإعلان عن المجلس السياسي الكوردستاني في الإقليم.
لا يزال أمام الحركة السياسية الكوردية في سوريا بعض الصعاب المطلوب هو التغلب على تلك الصعاب لتمكين الشعب الكوردي من ممارسة حقه في العيش الكريم بحرية وكرامة.