لِمَ تُمَجِّدُ الشعوب جَلاديها؟

لِمَ تُمَجِّدُ الشعوب جَلاديها؟

علي جزيري

منذ انهيار السلطنة العثمانية، قسمت تركتها فأُلْحِقَ جزء من كوردستان بـ «سوريا المصطنعة» وفق مشيئة الاستعمار في سايكس - بيكو، مما أباح لنفر من العرب التنديد به علناً، ولنفر آخر تمجيده سراً.
هكذا برزت القضية الكردية في سوريا، واستفحلت جرّاء سياسات القمع والتنكيل والتهميش والانكار والتعريب المنتهجة، وظلت طيلة قرنٍ رهينة قراءات غلاة الفكر الشوفيني وأقبية الأجهزة الأمنية؟ ومازال العرب ماضون على استراتيجية - أقل ما يُقال فيها - أنها تقوم على الترفع عن تناول هذه المسألة، ما يدفعنا للتساؤل: ألم يحن الوقت بعدُ لنبذ سلوك النعامة القائم على نفي وجود قضية شعب جُرِّدَ من أبسط حقوقه؟ وما يحزّ القلب أن يستوي الحكام والمحكومون في هذا الأمر، باستثناء قلة قليلة نالت بمواقفها شرف تقدير أبناء شعبنا الكُردي، يأتي في مقدمتهم رامي عبد الرحمن مؤسس المرصد السوري لحقوق الانسان، والأديب خطيب بدلة وآخرين.
فحين تُسمّى سوريا بـ(الجمهورية العربية السورية)، يتم طمس سائر الهويات الأخرى؛ بينما مصطلح (الجمهورية السورية) يعيد لسوريا ألقها، ويضع حداً للمواطنة المتعثرة منذ عقود. وما أحوجنا أن نصرّح جهاراً أن القومجيين الشوفينيين والاسلامويين المتزمتين، هم من يتشبث بالتسمية الأولى، وحجتهم في ذلك أن العرب هم الأكثرية؛ لكن ينبغي القول إن إقامة دولة مواطنة لكلّ أبنائها تستوجب التسمية الثانية، التي سميت بها منذ نشأتها. فالأولى تثير المخاوف في إقصاء المكوّنات غير العربية، ولا يُخفى أنها أحد أشكال التمييز الذي ينسف طمس الهويات والشطب على مبدأ المواطنة المتساوية، ولا يخفى ما في هذا الأمر من ظلم بحقّ سائر المكونات. أما التسمية الثانية، فهي تتيح لسائر المكونات العرقية والدينية الحفاظ على هويتها من الاضمحلال، وصون حقوقها القومية والدينية، وممارسة لغاتها وثقافتها وطقوسها الدينية بحرية، وليس إعادة إنتاج ذهنية أمثال مهدي عاكف، المرشد الأسبق لجماعة الأخوان المسلمين، الذي سبق أن صرَّح بأنه: (سيرضى أن يحكمه مسلم ماليزي، ولايحكمه مسيحي مصري)، وكيلا تتكرر مآسينا، يجب أن ينص دستور سوريا الجديد ويجيز أن يتبوأ الحكم في سوريا كردي أو مسيحي أيضاً، وليس شيشاني أو إيغوري، وأعتقد أنه قد آن أوان إدراك هذه الحقيقة، إن أردنا أن نبني سوريا الجديدة، وننهي هذه المهزلة.
لكن مشكلة تماهي العرب السوريين مع حكّامهم فيما يتعلّق بالموقف من هذه المسألة أو تلك، أضحت عقبة كأداء في طريق تحقيق مجتمع العدل والمساواة، مما تلح عليَّ أن أعلن بكلّ وضوح أنني لست مِمن تنطلي عليهم التُّرهات والسفاسف كي أقْدِم على التبرئة المجانية لشعب تبلد حسُّه تجاه قضايانا العادلة، ولم يعد قادراً على الرؤية إلا بعين آسره، جرّاء تدجينه على ثقافة الكراهية القائمة على شَرْعَنة إقصاء الآخر وتبخيسه.
في الختام، أيعقل أن يستمر هذا الاجحاف بحقّ سائر المكوّنات، وفي مقدمتها المكون الكردي الأصيل، الذي يعيش على أرضه التاريخية؟ إن تجربة سوريا تؤكد لكل ذي بصيرة بأن تغيير الحاكم ليس شرطاً لانتفاء الظلم إن لم يكن عادلاً، ولاسيما حين يكون محاطاً بالوعّاظ الذين يصفقون له، ويَدْعون له بطول البقاء في كل ما يقدم عليه، فكيف يتأتى له حينئذٍ الإحساس أن هناك شعباً مضطّهَداً؟