الكرد في سوريا: بين الطموحات الإقليمية والقيود الدولية
إبراهيم حاج صبري
يمرُّ الشرق الأوسط بمرحلة انتقالية تتّسم بارتفاع مستويات السيولة الاستراتيجية وتداخُل مسارات الصراع الإقليمي في ظل إعادة تعريف مستمرة لمفاهيم الأمن والتحالفات وموازين القوى. وتُعد المسألة الكردية من القضايا المحورية في هذا السياق نظرًا لتوزع الكرد جغرافيًا عبر عدة دول مركزية في الإقليم وما يترتب على ذلك من تداعيات تتصل بوحدة الدولة وإدارة التعددية والتدخُّلات الإقليمية والدولية. وتكتسب الحالة السورية أهمية خاصة بوصفها الساحة الأكثر تأثرًا بهذه التفاعلات حيث تتقاطع الطموحات الكردية مع تحولات النظام السياسي ومع حسابات القوى الإقليمية والدولية الفاعلة.
تُعدُّ المسألة الكردية أحد أكثر الملفات تعقيدًا وحساسية في الشرق الأوسط ليس فقط لارتباطها بتاريخ طويل من التهميش والنزاع بل لأنها تمثل نقطة التقاء بين الجغرافيا السياسية للصراعات الحالية وقضايا الهوية والسيادة وإدارة التنوع داخل الدول الوطنية. فالقضية الكردية لم تعد شأنًا داخليًا محصورًا في حدود دولة واحدة بل تحولت إلى ملف إقليمي ودولي يتداخل فيه الأمن والموارد والتحالفات ويتأثر بشكل مباشر بتحولات موازين القوى الإقليمية والدولية.
يُعد الكرد من أكبر الجماعات العرقية في العالم التي لم تنجح في تأسيس كيان سياسي مستقل رغم امتدادهم الديموغرافي الواسع. وتشير تقديرات غير رسمية إلى أن عددهم يناهز أربعين مليون نسمة موزعين أساسًا بين تركيا وإيران والعراق وسوريا إضافة إلى تجمعات أصغر في أرمينيا وانتشار ملحوظ في دول المهجر ولا سيما في أوروبا ولبنان. ويمنح هذا الانتشار الجغرافي للكرد وزنًا جيوسياسيًا متزايدًا يجعل من الصعب تجاوزهم أو تهميشهم في أي تسوية إقليمية شاملة.
تتضاعف أهمية هذا الوزن عند تصور سيناريو افتراضي لتوحيد الأقاليم الكردية الموزّعة ضمن كيان سياسي واحد. فرغم أن هذا السيناريو يبدو بعيد المنال في المدى المنظور إلا أنه يكشف حجم الإمكانات الديمغرافية والجغرافية الكامنة في الوجود الكردي إذ ستكون دولة كهذه من حيث عدد السكان والمساحة بين الدول المتوسطة والكبيرة على المستوى العالمي. غير أن الانتقال نحو الاستقلال أو حتى الحكم الذاتي الموسع لا يتوقف عند حدود الإرادة القومي بل يتطلب مسارات معقدة تشمل إعادة تعريف الهوية الكردية الجامعة وتجاوز الانقسامات التاريخية والحزبية إلى جانب مراجعة شبكة الاتفاقيات الإقليمية والدولية المتعلقة بالموارد الطبيعية مثل المياه والنفط وبأسس التحالفات الأمنية القائمة في ظل حضور فاعل لقوى دولية كبرى كواشنطن وموسكو.
في المقابل تتعامل الدول العربية مع المسألة الكردية ضمن إطار من الحذر الأمني والسيادي خاصة في العراق وسوريا حيث يتقاطع الوجود الكردي مع قضايا وحدة الدولة وسلامة الحدود. ففي العراق تمكن الكرد من ترسيخ نموذج حكم ذاتي يتمتع بصلاحيات واسعة نسبيًا ضمن إقليم كردستان بزعامة الرئيس مسعود بارزاني رغم ما يواجهه هذا النموذج من أزمات داخلية وخلافات مستمرة مع الحكومة المركزية في بغداد. أما في سوريا، فتبدو الصورة أكثر تعقيدًا إذ تمثل الساحة السورية اليوم النقطة الأكثر حساسية لتفاعلات الملف الكردي في ظل التحولات السياسية التي أعقبت انهيار النظام السابق وبروز سلطة انتقالية جديدة ذات رؤية إسلامية راديكالية.
ولا يمكن فهم التوترات القائمة في سوريا سواء في الساحل أو في مناطق الجنوب أو في المناطق الكردية بمعزل عن الطبيعة المركبة للمجتمع السوري. فسوريا دولة متعددة الهويات تضم فسيفساء واسعة من الأقليات الدينية والعرقية تشير تقديرات غير رسمية إلى أنها تشكل ما بين 30 و40 في المئة من السكان. وقد عاشت هذه المكونات تاريخيًا في ظل دولة مركزية شديدة التحكم ما أسهم في تشكيل ذاكرة جماعية مثقلة بالهواجس والمخاوف من الإقصاء أو التهميش. ويظهر ذلك بوضوح في حالة بعض الأقليات التي تواجه اليوم خطابًا إعلاميًا وسياسيًا تبسيطيًا يختزلها في ارتباطها بالنظام السابق متجاهلًا القلق الوجودي الذي يطغى على مواقفها في مرحلة ما بعد سقوطه.
ضمن هذا الإطار يحتل الكرد موقعًا محوريًا مهما في كوردستان سوريا حيث يتركزون في مناطق الجزيرة وكوباني وعفرين. وتكتسب هذه المناطق أهمية استراتيجية عالية ليس فقط لثقلها الديمغرافي بل لما تحتويه من موارد زراعية ونفطية فضلًا عن موقعها الحدودي الحساس مع تركيا والعراق.
أما روسيا فقد انتهجت سياسة أكثر براغماتية وحذرًا تجاه الكرد قائمة على الدفاع الشكلي عن وحدة الأراضي السورية مع إبقاء قنوات الاتصال مفتوحة مع القوى الكردية واستخدامها كورقة ضغط في مواجهة الولايات المتحدة وتركيا. ورغم لعب موسكو دور الوسيط في بعض التفاهمات الأمنية بين الكرد ودمشق فإنها لم تُظهر التزامًا حقيقيًا بدعم المشروع الكردي سياسيًا بل تعاملت معه ضمن حسابات أوسع تتعلق بدورها ونفوذها في سوريا. ومع التحولات التي أعقبت سقوط النظام السابق لا تزال ملامح العلاقة الروسية–الكردية غير واضحة في انتظار إعادة بلورة الدور الروسي في سوريا الجديدة.
إقليميًا تبقى تركيا الفاعل الأكثر تشددًا في مواجهة الطموحات الكردية في سوريا إذ ترى أن أي شكل من أشكال الحكم الذاتي أو الفدرالية على حدودها الجنوبية يمثل تهديدًا مباشرًا لأمنها القومي وتربط بين القوى الكردية السورية وحزب العمال الكردستاني. وانطلاقًا من هذا التصور نفذت أنقرة سلسلة من العمليات العسكرية الهادفة إلى تقويض النفوذ الكردي وإنشاء مناطق عازلة على طول حدودها. ويتقاطع هذا الموقف وإن بصيغة أقل صدامية مع الرؤية الإيرانية الرافضة لأي صيغة فيدرالية في سوريا انطلاقًا من اعتبارات تتعلق بوحدة الدولة السورية وبالهواجس المرتبطة بالأقلية الكردية داخل إيران نفسها.
في ضوء هذه التفاعلات المتشابكة تبدو المسألة الكردية في سوريا اختبارًا حقيقيًا لمستقبل الاستقرار الإقليمي. فإمكانية استنساخ نموذج الحكم الذاتي العراقي في السياق السوري تظل رهينة بعوامل متعددة تشمل قدرة الكرد على توحيد رؤيتهم السياسية واستعداد الدولة السورية الجديدة لإعادة صياغة عقد سياسي جامع يعترف بالتعددية فضلًا عن مدى قابلية القوى الإقليمية والدولية للتكيف مع واقع جديد يتجاوز منطق الدولة المركزية الصلبة.
إن مستقبل الكرد في سوريا لا يمكن فصله عن مسار إعادة تشكيل الشرق الأوسط ككل حيث تتقاطع قضايا الهوية والسيادة والأمن في لحظة تاريخية شديدة التعقيد. وسيظل هذا الملف أحد المؤشرات الأساسية على قدرة الإقليم على الانتقال من إدارة الصراعات إلى معالجتها ضمن أطر سياسية أكثر شمولًا واستدامة.