الجحر الذي نُلدَغ منه
شيركوه كنعان عكيد
فرانسيس فوكوياما وهو عالم، وفيلسوف واقتصادي سياسي أميركي من أصول يابانية، أصدر كتابه الشهير (نهاية التاريخ والإنسان الأخير) في أوائل التسعينيات والذي يمكن تلخيصه في فكرة أساسية مفادها، بأن الصراعات بين المناهج الفكرية الكبرى قد وصلت الى نهايتها بنهاية الحرب الباردة بين القطبين الرئيسيين في العالم، وانتصار الديمقراطية الليبرالية الغربية، والتي باتت برأيه، الشكل النهائي للحكم البشري. لكنه لم يقصد بذلك أن العالم سينعم بالسلام والرخاء، وإن الصراعات ستتوقف في العالم سواءً أكانت اقتصادية،عرقية أم دينية، لكنه يرى أن الصراع حول شكل الحكم هو الذي سينتهي لأنه لن توجد عقيدة أو منهج فكري منافس أو بديل للديموقراطية الليبرالية الغربية.
بالعودة الى ارض الواقع، فإننا وإن اتفقنا مع فكرته أن ،أميركا تجسّد ذلك الشكل من الحكم الى حد كبير، إلا أننا لا يمكن ان نغفل عن أنها في الواقع ليست النموذج الأمثل للديموقراطية الليبرالية، نظراً للعديد من الثغرات والسلبيات التي تتخللها نتيجة لتضارب المبادىء النظرية مع الواقع العملي أولاً ، وثانياً نظراً لآلية اتخاذ القرار المعقدة في نظامها.
إن أكبر تلك المآخذ بالنسبة لغير الأمريكيين (وربما للكثير من الأمريكيين أنفسهم) على السياسة الأميركية بشكل عام تتمثل في سياساتها الخارجية وخاصة في الشرق الأوسط. اذ لا يمكن اعتبارها سياسة قائمة على حرصها على الديموقراطية او خلق الاستقرار، أو حماية شعوب المنطقة من بطش حكامها أو ما الى ذلك من قيم ومبادئ تروج لها في خطابها وتتغنى بها على الدوام. ولقد أثبتت الوقائع أن تدخُّل أميركا في أية بقعة من العالم لم يراع يوماً إلا مصالحها الأساسية والتي تدفع الشعوب ضريبتها، من خلال دعم ومساندة أنظمة شمولية، لا ترى في الديموقراطية سوى شعارات لتضليل الرأي العام في داخل بلدانها وخارجها.
لطالما تعاملت أميركا مع منطقة الشرق الأوسط كمنطقة نفوذ أمريكية، وهي كما أسلفنا لا تعبأ بقضايا الشعوب وحقوقها، إلا اذا استوجبت مصالحها استخدام تلك القضايا كورقة ضغط آنية الى ان تنتفي الحاجة لها.
ولعل الحالة الكوردية في هذا السياق ليست استثناءً من القاعدة، فلقد رأينا كيف أنها قدمت بعض الدعم للكورد عندما التقت مصلحتها مع المصلحة الكوردية آنذاك، والمتمثلة في محاربة الإرهاب، ثم تّم سحب او تقليص هذا الدعم عند أول منعطف، وبميزان الربح والخسارة بما يحقق لها مكاسب أكبر مع دول الإقليم، بل وساهمت في دعم الأنظمة القمعية والشمولية متذرعة بمختلف التبريرات وفي أحيان كثيرة لم تكلف نفسها حتى عناء تقديم اية تبريرات.
وهنا لا يمكننا لوم، أميركا لوحدها على طريقتها بالتعامل مع حلفائها، إذ أن من بديهيات السياسة أن تبحث كل جهة عن حماية مصالحها ومكتسباتها بل البحث دائماً عن المزيد من المكاسب كلما أمكن ذلك. ولذا فإنه يقع على عاتقنا ككورد إيجاد الطرق المناسبة لحماية حقوقنا ومصالحنا، وذلك لا يتم إلا عبر التأسيس لتحالفات راسخة وعلى أسس واضحة، على مختلف الجبهات الداخلية، الإقليمية، والدولية، الأمر الذي لا يمكن تحقيقه إلا من خلال إثبات وجودنا الفعلي. أولًا، كجسم سياسي مؤثر، متوافق على أهداف قابلة للتحقيق، بعيدًا عن الشعارات الطوباوية. وثانيًا، كقوة اعتبارية حاضرة على الأرض، تملك القدرة والمؤهلات السياسية والتنظيمية التي تخولها الدخول في مسارات تفاوضية متكافئة. فما من طرف يرغب في الدخول في تحالفات دائمة أو شراكات راسخة مع طرف آخر غير مؤهل، أو مع كتل سياسية لا تجتمع حول هدف واحد، ولا تمثله جهة محددة تملك صلاحيات تمثيل القضية موضوع التفاوض، ففي النهاية لا يهم الأطراف الفاعلة ان تكون الأجسام الكوردية متجانسة فكرياً، بل أن ما يهمها هو وجود مرجعية واحدة تمثلها.
وقد يبدو هذا الكلام نظريًا إلى حد بعيد، وهذا لا يجافي الحقيقة، إلا أنه في الوقت ذاته يقبل التطبيق العملي، ويمكنه أن يصبح واقعاً على الأرض، متى ما توفرت الشروط الموضوعية والإرادة السياسية الحرة والصادقة التي يمكن ان تجعله قابلا للتطبيق.
الحقيقة الثابتة التي لا بدّ من ذكرها هنا، هي أن الكورد لا يستطيعون مواجهة كل التحديات بمفردهم في محيطهم الإقليمي غير الودود إجمالاً، لكنهم سيكونون قادرين على الصمود لو توفرت لهم تحالفات قائمة على المصلحة المشتركة ، وعلى أساس الشراكة وليس التبعية، فالولايات المتحدة كما ذكرنا لا تتعامل عادة مع حلفائها المفترضين بناء على عدالة قضاياهم، بل بناء على ما يمكنهم تقديمه خدمة لاستراتيجيتها هي، وتستخدمهم كأداة مؤقتة عند نشوب الأزمات.
وفي هذا السياق أيضاً علينا دائما أن نبحث عن البدائل والخيارات الأخرى المتاحة دون التعويل على قوة كبرى واحدة، فطالما كان الكورد بمختلف توجهاتهم هم الخاسرون في هذا المضمار، لأنهم إما راهنوا دائماً على قوة كبرى واحدة أو راهنوا أحياناً على الحصان الخاسر.
بالعودة إلى منطق الربح والخسارة التي تقوم عليها سياسة الغرب عموماً وأميركا (الحليف المفترض) خاصة، فإنه يترتب على المرجعية الكوردية أن تسّوق لنفسها، وبعيداً عن خطاب الاستجداء، وكشريك موثوق على المدى الطويل، لا يعتمد على الأخذ فقط بل على قدرته على العطاء أيضاً، وأن تبرز أهمية الكورد في المنطقة، كجزء من الحل وكقوة قابلة للشراكة، وليس عبئاً سياسياً او عسكرياً في المستقبل.
أخيراً، فإن لكل ذلك تبعات كبيرة على مستقبل التفاوض مع السلطة الجديدة لأنها ستمنح الكورد قوة تفاوضية مستندة على القوة والشرعية السياسية والدعم الدولي مما يتيح الفرصة على تحقيق المطالب وفرض الشروط الملائمة على طاولة التفاوض والحوار التي لا بديل عنها في الوصول الى حلول ترضي جميع الأطراف الى حدّ ما.