الشباب في الأحزاب كبنية تحتية وطنية
شفان إبراهيم
إشراك الشباب في القيادة ليست مجرّد فكرة عابرة، بل دور فاعل في صناعة المستقبل واتخاذ القرارات التي تحدد مسار العمل السياسي. وضرورة استراتيجية تؤسس لبنية تحتية وطنية قادرة على التعامل مع التحديات المستقبلية وتطوير الحلول المناسبة.
تجربة العمل السياسي الكوردي في سوريا، مثالٌ لتأثير غياب المشاركة الفعالة للشباب في القيادة. فما مرّ به الكورد من أزمات وصراعات، سياسية وهوياتية وثقافية، ساهمت في خلق بيئة متقلبة وحافلة بالتحديات التي أثرت على تطور القيادة الكوردية. كما واجه الكورد معاناة مضاعفة؛ فمن جهة، مُورست عليهم سياسات الإقصاء، ومن جهة أخرى، غُيبت قوى شبابية قادرة على بناء مؤسسات سياسية مستدامة، لتقديم حلول للمشاكل التي يعاني منها المجتمع الكوردي. بينما كانت القيادة التقليدية تميل إلى التركيز على الحفاظ على الوضع الراهن، فإن هناك حاجة ملحّة لتغيير هذه الديناميكيات.
لقد كانت الأزمات التي مر بها الكورد في سوريا كفيلة بتشكيل وعي جديد لمفهوم القيادة. ففي أعقاب الأحداث التي تلت الثورة السورية عام 2011، ظهرت فرص جديدة لبناء هياكل قيادية جديدة على أسس أكثر شمولية ومرونة. ورغم أن الشباب الكوردي كان في قلب هذه التغيُّرات، إلا أن الافتقار إلى الدعم السياسي والتنظيمي، ناهيك عن الفكر التقليدي الممسك بالسلطة، لم تقدم نُخب تمتلك الرؤية الشاملة والتجربة الإدارية.
مع ذلك يُمكن اعتبار التجربة الكوردية في سوريا مثالاً حيًا على ضرورة إشراك الشباب في القيادة. فمن خلال الانخراط في مؤسسات سياسية وشعبية ومدنية، بدأ الشباب الكوردي في رسم مسار جديد للقيادة التي تتماشى مع تطلعاتهم وآمالهم. لقد أثبت هؤلاء الشباب أنهم قادرون على تجنب الأخطاء التي ارتكبها غيرهم، وقدموا نموذجًا لقيادة أكثر ديناميكية لمواجهة تحديات الواقع المعاصر.
في ظل حالة الانقسام والتشرذم التي تشهدها سوريا، وخاصة في المنطقة الكوردية، يصبح من الضروري التفكير في بناء بنية تحتية قيادية تضمن للشباب دورًا محوريًا في عملية التغيير. وغياب البنية المؤسسية والتشريعية التي تدعم الشباب في التفاعل مع السياسة والاقتصاد والاجتماع يعوق التطور المستدام للمجتمع.
تحتاج الأحزاب الكوردية لتبنّي برامج تنموية متكاملة تهدف إلى تمكين الشباب من المشاركة في اتخاذ القرارات السياسية والاقتصادية والاجتماعية. كما ينبغي أن تركز هذه البرامج على تدريبهم على القيادة، وتوفير المنصات التي يمكنهم من خلالها التأثير على سياسات البلاد، وهي خطوة مهمة لامتلاك رؤى جماعية للبناء الوطني لا تقتصر على فئة معينة من المجتمع.
إن الأزمة التي مرّ بها الكورد في سوريا على مر السنين خلقت لهم في النهاية فرصة لتحويل محنتهم إلى منصة لبناء قيادة قوية تكون أكثر شمولية وفاعلية. ومشاركة الشباب في القيادة بمثابة حجر الزاوية لبناء بنية تحتية وطنية تضمن للمستقبل الكوردي الاستقرار والتنمية المستدامة. وفي حين أن هناك العديد من التحديات التي تواجه الشباب في هذا المسار، إلا أن ما حصل للكورد من أزمات يكفي لكي يصبحوا أكثر تصميمًا على الابتكار وقيادة التغيير بطريقة تُسهم في إعادة بناء وطنهم من جديد.