مصالحة وطنية شاملة… الطريق الوحيد لإنقاذ سوريا وبناء مستقبلها
فاضل دللي
بعد أكثر من أربعة عشر عامًا من الصراعات المدمّرة، والحروب المتداخلة، والفوضى السياسية والاجتماعية، تقف سوريا اليوم عند مفترق طرق تاريخي. فإمّا أن تستمر في دوّامة الانقسام والألم، وإمّا أن تتجه بشجاعة نحو مصالحة وطنية شاملة، حقيقية وصادقة، تعيد لُحمة المجتمع، وتؤسس لمرحلة جديدة من الاستقرار والسلام وبناء الدولة.
لقد دفعت سوريا، شعبًا وأرضًا، أثمانًا باهظة خلال السنوات الماضية. ملايين الضحايا بين قتيل وجريح ومهجّر، مدن مدمّرة، اقتصاد منهك، نسيج اجتماعي تصدّع، وثقة مفقودة بين مكوّنات المجتمع. لم يعد الخاسر طرفًا بعينه، بل خسر الجميع دون استثناء. من هنا، تصبح المصالحة الوطنية ليست خيارًا سياسيًا أو ترفًا فكريًا، بل ضرورة وطنية وأخلاقية ووجودية.
إن المصالحة الوطنية الشاملة تعني أولًا الاعتراف المتبادل بالأخطاء، وبالمعاناة التي تعرّض لها السوريون على اختلاف انتماءاتهم القومية والدينية والمذهبية والسياسية. فلا يمكن بناء مستقبل مشترك دون مواجهة الماضي بشجاعة ومسؤولية، بعيدًا عن عقلية الانتقام أو تبرير الأخطاء. الاعتراف لا يعني الإدانة الجماعية، بل هو خطوة نحو العدالة، والعدالة هي أساس أي سلام دائم.
كما أن المصالحة الحقيقية تتطلب نوايا صافية وصادقة، لا شعارات إعلامية أو إجراءات شكلية. فالسوريون تعبوا من الوعود المؤجلة، ومن المبادرات التي لا تتجاوز حدود الخطاب.
تتكوّن سوريا من فسيفساء غنية من المكوّنات القومية والدينية والثقافية: عرب وكرد وسريان وآشوريون وتركمان، مسلمون ومسيحيون وإيزيديون وغيرهم. هذا التنوع كان عبر التاريخ أحد أعمدة الحضارة السورية، لكنه تحوّل خلال سنوات الصراع إلى أداة للانقسام.
المصالحة الوطنية يجب أن تعيد الاعتبار لهذا التنوع، وتحوّله من سبب للصراع إلى قاعدة للتعايش والشراكة المتكافئة.
ولا يمكن الحديث عن مصالحة شاملة دون ضمان الحقوق المتساوية لجميع المواطنين، دون تمييز أو إقصاء. فالمواطنة الحقيقية، القائمة على العدالة والمساواة أمام القانون، هي حجر الأساس لبناء الثقة بين الدولة والمجتمع، وبين المكوّنات فيما بينها.
كما أن المصالحة الوطنية تحتاج إلى حوار وطني شامل، يشارك فيه الجميع دون استثناء، من قوى سياسية، وممثلين عن المكوّنات الاجتماعية، ومنظمات المجتمع المدني، والنخب الثقافية والفكرية. حوار يقوم على الاستماع قبل الكلام، وعلى البحث عن المشترك بدل التركيز على نقاط الخلاف. فالتجارب العالمية أثبتت أن الحروب تنتهي على طاولات الحوار، لا في ساحات القتال.
ولا يقلّ البعد الاجتماعي والإنساني أهمية عن البعد السياسي. فالمصالحة تبدأ من الناس، من إعادة ترميم العلاقات بين الجيران، وبين القرى والمدن، وبين من فرّقتهم الحرب. عودة المهجّرين واللاجئين، وجبر الضرر، وتعويض المتضرّرين، والكشف عن مصير المفقودين، كلها خطوات أساسية لإعادة بناء الثقة والطمأنينة في المجتمع.
إن الإعلام، والمؤسسات التعليمية، والنخب الثقافية، تتحمل مسؤولية كبيرة في هذه المرحلة. فخطاب الكراهية والتحريض يجب أن يُستبدل بخطاب عقلاني يدعو للتسامح، ويعزز ثقافة قبول الآخر، ويُرسّخ قيم العيش المشترك. فبناء السلام ليس مهمة السياسيين وحدهم، بل هو مشروع مجتمعي شامل.
كما لا يمكن إغفال الدور الإقليمي والدولي، لكن القرار النهائي يجب أن يبقى سوريًا خالصًا. فالتدخلات الخارجية ساهمت في تعقيد الأزمة وإطالة أمدها، ولن يكون الحل مستدامًا ما لم ينبع من إرادة السوريين أنفسهم، ويعكس تطلعاتهم في الحرية والكرامة والاستقرار.
بعد أربعة عشر عامًا من الألم، آن الأوان لأن ينتصر صوت العقل على صوت السلاح، وصوت الوطن على صوت الانقسام. المصالحة الوطنية الشاملة ليست طريقًا سهلًا أو قصيرًا، لكنها الطريق الوحيد لإنقاذ سوريا، وإعادة بنائها دولةً آمنةً، عادلةً، يتساوى فيها جميع أبنائها.
إن سوريا لا تحتاج اليوم إلى مزيد من الصراعات، بل إلى شجاعة المصالحة، وصدق النوايا، وحكمة البناء. فالأوطان لا تُبنى بالحقد، بل بالتسامح، ولا تستعاد بالقوة، بل بالعدالة، ولا تستمر إلا بوحدة أبنائها.