خيارات الأحزاب الكوردية في سوريا في ظل التحولات الراهنة؟
باري جمعة
تمرّ سوريا اليوم بمرحلة مفصلية، تتغيّر فيها المعادلات السياسية، وتُعاد فيها صياغة التوازنات الداخلية والإقليمية. وفي خضم هذه التحولات، تقف الأحزاب الكوردية في سوريا أمام اختبار تاريخي حقيقي: إما أن ترتقي إلى مستوى اللحظة، أو تبقى أسيرة الماضي وتفقد ما تبقّى من ثقة الشارع الكوردي.
لقد أثبتت السنوات الماضية أن العمل الحزبي بصيغته التقليدية، وخطابه المكرور، وآلياته المغلقة، لم يعد قادراً على مواكبة المتغيرات المتسارعة. لذلك، فإن أول ما هو مطلوب من الأحزاب الكوردية اليوم هو إجراء مراجعة سياسية وتنظيمية عميقة، شجاعة وصريحة، تتناول الأخطاء قبل النجاحات، وتضع حداً لحالة الإنكار أو التبرير المستمر.
كما تفرض المرحلة الراهنة إعادة تحديد المطالب الكوردية بما ينسجم مع الواقع السوري الجديد، بعيداً عن الشعارات العامة أو الخطابات القصوى. فالقضية الكوردية لا يمكن فصلها عن الإطار الوطني السوري، ولا يمكن حمايتها إلا عبر مشروع ديمقراطي واضح، يقوم على الشراكة، والحقوق الدستورية، واللامركزية، واحترام التعدد القومي والثقافي.
ومن غير الممكن الحديث عن تجديد سياسي حقيقي دون تجديد الشرعيات داخل الأحزاب نفسها. فالمؤتمرات الطارئة لم تعد ترفاً تنظيمياً، بل ضرورة ملحّة لإعادة إنتاج القيادات، وضخ دماء جديدة، وإنهاء احتكار القرار من قبل أسماء وأجيال لم تعد تعبّر عن تطلعات الشارع، خاصة فئة الشباب.
في هذا السياق، يبرز دور الشباب، ولا سيما الأكاديميين والمختصين، بوصفهم ركيزة أساسية لأي مشروع سياسي معاصر. هؤلاء أكثر إدراكاً لما يجري في العالم، وأكثر قدرة على فهم لغة السياسة الحديثة، والعلاقات الدولية، والإعلام، والاقتصاد. إشراكهم يجب أن يكون فعلياً في صناعة القرار، لا شكلياً أو دعائياً.
كذلك، فإن التغييرات التنظيمية الجذرية باتت أمراً لا مفرّ منه، من تحديث الأنظمة الداخلية، إلى تفعيل المؤسسات الحزبية، واعتماد الكفاءة معياراً للمسؤولية، لا الولاء أو القرب من مراكز النفوذ.
ولا يقلّ أهمية عن ذلك، توحيد الموقف الكوردي أو على الأقل تنسيقه في القضايا المصيرية. فالانقسام المزمن أضعف القضية الكوردية، وأفقدها الكثير من وزنها السياسي. إدارة الخلاف بالحوار، وتقديم المصلحة العامة على الحسابات الحزبية الضيقة، هو الحد الأدنى المطلوب اليوم.
لذلك لا يمكن لأي حزب أن يدّعي تمثيل الناس إن لم يكن قريباً منهم. إن استعادة ثقة الشارع الكوردي تتطلب خطاباً صادقاً، وانفتاحاً على المجتمع المدني، والاستماع لهموم الناس اليومية، لا الاكتفاء بالشعارات الكبرى.
الأحزاب الكوردية في سوريا مطالبة اليوم بأن تتحوّل من أحزاب تقليدية مرهقة، إلى قوى سياسية حديثة، ديمقراطية، قادرة على قراءة الواقع، وصياغة المستقبل، وتمثيل تطلعات الكورد ضمن سوريا جديدة، عادلة، وديمقراطية.