من المستفيد من النعرات الطائفية والحرب الأهلية في سوريا؟

من المستفيد من النعرات الطائفية والحرب الأهلية في سوريا؟

عزيز بهلوي

منذ اندلاع الأزمة السورية، تحوّل الصراع تدريجيًا من مطالب شعبية بالإصلاح والحرية إلى حرب أهلية معقّدة تغذّيها النعرات الطائفية. هذا التحول لم يكن عفويًا، بل خدم أطرافًا متعددة وجعل من سوريا ساحة مفتوحة لتصفية الحسابات. فمن المستفيد من هذا المشهد الدموي؟
تفكيك المجتمع بدل حلّ الأزمة
أدّى الخطاب الطائفي إلى تمزيق النسيج الاجتماعي السوري، وهو ما أضعف أي إمكانية لحراك وطني موحّد. هذا الانقسام سهّل إطالة أمد الصراع، وبدّل جوهر القضية من مطالب سياسية إلى صراع هويات، ما أضاع البوصلة وأربك الرأي العام الداخلي والخارجي.
السلطة واستثمار الخوف
استفادت السلطة من تصاعد النعرات الطائفية عبر تقديم نفسها كحاجز أخير أمام الفوضى. هذا الخطاب مكّنها من شدّ الولاءات، وتبرير الحل الأمني، وكسب دعم حلفاء خارجيين بذريعة “محاربة الإرهاب” والحفاظ على الاستقرار.
صراع نفوذ إقليمي
تحوّلت سوريا إلى ساحة تنافس إقليمي مفتوح. دول دعمت أطرافًا مختلفة وفق حسابات سياسية وطائفية، لا وفق مصلحة السوريين. هذا التدخل عمّق الانقسام، ورفع كلفة الحرب، وجعل القرار السوري مرتهنًا لأجندات خارجية.
حسابات دولية باردة
على المستوى الدولي، استُخدمت الحرب كورقة ضغط وميدان اختبار. قوى كبرى عززت حضورها العسكري والسياسي، بينما بقيت الحلول السياسية مؤجلة، ومعاناة المدنيين خارج دائرة الأولويات الفعلية.
الجماعات المتطرفة واقتصاد الدم
في ظل الفوضى، ازدهرت الجماعات المتطرفة التي استثمرت في الكراهية واليأس لتوسيع نفوذها. بالتوازي، نشأ اقتصاد حرب قائم على التهريب والسلاح والمساعدات، استفادت منه شبكات لا ترى في السلام سوى خسارة.
الخلاصة
المستفيدون كثر، لكن الخاسر واحد: الشعب السوري. فالنعرات الطائفية والحرب الأهلية لم تنتج سوى الدمار، وغيّبت الحل، وعمّقت الجراح. ويبقى الخروج من هذا النفق مرهونًا بإنهاء الاستثمار في الطائفية، واستعادة خطاب وطني جامع يعيد الاعتبار لسوريا كوطن، لا كساحة صراع
المصالحة واقعية بعد كل هذا الدم؟
واقعية بشروط، وخيالية بدونها.
سوريا شهدت مستوى عنف ودمار عميق، لكن التاريخ الإنساني يقول إن مجتمعات مرّت بأسوأ من هيك وقدرت تتعافى جزئياً (رواندا، البوسنة، جنوب أفريقيا). الفرق دائمًا كان بالشروط.
لماذا يظن كثيرون أنها مستحيلة؟
وهذا شعور مفهوم جدًا:
جراح شخصية: قتلى، معتقلين، مفقودين، تهجير.
غياب العدالة: الجلاد ما زال قوي، والضحية بلا إنصاف.
استخدام “المصالحة” أحيانًا كشعار لفرض الصمت، مو للإنصاف.
المصالحة القسرية = وصفة لانفجار جديد.
متى تصبح المصالحة ممكنة فعلاً؟
في 5 شروط أساسية، بدونها الكلام فاضي:
1. الاعتراف بالجرائم
ما في مصالحة بدون اعتراف واضح بما حصل.
إنكار الألم أخطر من الجريمة نفسها.
2. العدالة (ولو جزئية)
مو شرط كل مجرم يدخل السجن فورًا، لكن:
محاسبة رمزية،
لجان حقيقة،
كشف مصير المعتقلين والمفقودين.
الناس تتحمّل الألم… بس ما تتحمّل الإهانة.
3. وقف الاستثمار بالكراهية
منع التحريض الطائفي والسياسي.
إخراج الدين والطائفة من سوق الدم.
4. ضمان عدم التكرار
دولة قانون،
مؤسسات،
سلاح واحد،
لا أحد فوق المحاسبة.
5. وقت… وقت طويل
المصالحة ليست “اتفاق سياسي”.
هي مسار أجيال، تبدأ بوقف القتل، وليس بالمحبّة.
نقطة مهمّة جدًا
المصالحة لا تعني النسيان ولا العفو الإجباري.
الضحية من حقها ترفض المسامحة.
المطلوب هو التعايش بدون عنف أولاً.
الواقع السوري اليوم
بصراحة:
مصالحة شاملة الآن؟ غير واقعية.
بذور مصالحة مستقبلية؟ ممكنة إذا تغيّر ميزان السياسة والعدالة.
ما هو واقعي الآن:
منع توريث الكراهية للأجيال الجديدة.
خطاب يعترف أن “الدم السوري واحد، والجلاد ليس طائفة”.
خلاصة صادقة
المصالحة في سوريا:
ليست مستحيلة،
لكنها لن تأتي من فوق،
ولن تكون نظيفة أو مثالية،
وستبقى ناقصة… لكنها أفضل من حرب أبدية.