إشكالية المواطنة في الفضاء التشريعي السوري
ميادة كبار مصطفى
مقدمة: في ماهية المواطنة وفلسفة الحقوق
يُعد مبدأ المواطنة في جوهره الفلسفي تجسيداً لـ "العقد الاجتماعي" الذي ينقل الفرد من حالة الطبيعة إلى حالة الدولة، حيث تتحدد قيمته الإنسانية عبر منظومة من الحقوق والواجبات المتبادلة. وفي الفكر القانوني الحديث، لا تُعتبر المواطنة مجرد رابطة تبعية سياسية، بل هي "الحق في امتلاك الحقوق". ومع ذلك، يلاحظ المشتغلون في الحقل القانوني السوري أن هذا المفهوم ظل يعاني من هشاشة تشريعية وقصور في الحماية الدستورية، مما جعله عرضة للتأويلات السياسية التي أفرغته من مضمونه الحقوقي القائم على المساواة والعدالة.
إن المواطنة والعيش المشترك وجهان لعملة واحدة؛ فالمواطنة هي الإطار القانوني الناظم، بينما العيش المشترك هو الممارسة الاجتماعية السليمة. ولا يمكن تصور تقرير أحد حقوق المواطنة مع حرمان فئة من الأفراد منها لأسباب تتعلق بالعرق أو القومية أو العقيدة.
وفي السياق السوري، برزت الحاجة لترسيخ "المواطنة الشاملة" كمدخل وحيد لمعالجة عقود من التهميش البنيوي الذي طال مكونات أصيلة، وعلى رأسها المكون الكردي، الذي تعرض لعملية "إقصاء قانوني" بدأت بسلب الجنسية وانتهت بحرمانه من أبسط مقومات الكرامة المدنية.
المحور الأول: السيرورة الدستورية في سورية (1928- 2012).. صراع النص والواقع
عرفت سوريا منذ استقلالها سبعة دساتير، يعكس كل منها موازين القوى السياسية السائدة، ويكشف عن تطور) أو تراجع) مفهوم المواطنة في العقل التشريعي السوري.
1. الإرهاصات الأولى: دساتير 1930 و1950
بدأت الرحلة الدستورية بدستور 1930 الذي وضعته أول جمعية تأسيسية منتخبة في ظل الانتداب الفرنسي. ورغم تضمنه مبادئ ديمقراطية، إلا أن سلطات الانتداب قيّدت مفعوله عبر المادة 116، مما جعل المواطنة حينها شكليّة.
أما دستور 1950، فيُعتبر في الفقه الدستوري السوري "الأنموذج الوطني الأرقى". فقد كفل الحقوق والحريات، وسعى لتكريس المواطنة المتساوية. ومن المآثر القانونية لتلك الحقبة، صدور قانون الانتخاب لعام 1949 الذي منح المرأة حق الانتخاب والترشح، لتكون سوريا رائدة عربياً في هذا المجال. ومع ذلك، لم تلتزم الحكومات المتعاقبة كلياً بتلك القيم، حيث بدأت الفجوة تظهر بين "النص الدستوري" و"الممارسة التنفيذية".
2. غياب المساواة الجوهرية في الأحوال الشخصية
ثمة قاسم مشترك في مجموع الدساتير السورية يتمثل في استثناء "الأحوال الشخصية" من مبدأ المساواة المطلقة. إن قبول تعدد أحكام التشريعات الدينية) المستمدة من قانون حقوق العائلة العثماني 1917 وقانون 1953) أدى إلى غياب مفهوم "المواطنة المدنية الموحدة". هذا التعدد التشريعي كرس تمايزاً قانونياً في الحقوق والواجبات، خاصة بين الرجل والمرأة، مما جعل المواطنة "منشطرة" بين انتماء للدولة وانتماء للمذهب أو الطائفة.
3. مرحلة التراجع التشريعي: دستور 1973 وما بعده
مع إقرار دستور 1973، دخلت سوريا مرحلة "الأحادية القانونية". فرغم النص على المساواة في المواد (25-28)، إلا أن المادة الثامنة التي نصت على أن حزب البعث هو "القائد للدولة والمجتمع" ألغت التعددية فعلياً. كما أن جعل رئيس الجمهورية هو "ضامن استقلال القضاء" (المادة 131) نسف مبدأ فصل السلطات، وحول المواطنة من حق طبيعي إلى "منحة سلطوية" تُعطى للموالين وتُسلب من المعارضين.
المحور الثاني: واقع المواطنة في برامج الأحزاب السياسية السورية
لم تكن المواطنة المتساوية أولوية لدى القوى السياسية التقليدية؛ إذ انشغلت الأحزاب) كالكتلة الوطنية، الحزب الشيوعي، القومي السوري) بمناهضة الانتداب الفرنسي وسياسات التجزئة.
1. الأيديولوجيا فوق المواطنة
بعد الاستقلال، تباينت الأحزاب في التزامها بمفاهيم المواطنة؛ فغلب المنظور الأيديولوجي الضيق) قومي، ديني، أو طبقي) ومع سيطرة الحزب الواحد بعد عام 1970، جرى "تأميم العمل السياسي". أصبحت أجهزة الأمن هي الناظم للمجال العام، مما أدى لغياب المواطنة لصالح "الولاء الأمني".
2. محاولات الإصلاح والجمود
ظهرت محاولات لطرح بدائل (أحداث الثمانينيات، ربيع دمشق 2000)، لكنها قُمعت بشدة. استمر هذا الجمود حتى ثورة 2011، التي رفعت شعارات الكرامة والمواطنة، وطالبت بإنهاء الاستبداد وتأسيس دولة مدنية تعددية تضمن حقوق المكونات كافة (عرب، كرد، تركمان، سريان...) على قاعدة المواطنة المتساوية.
المحور الثالث: محافظة الحسكة.. "الاستثناء" كأداة للإقصاء القانوني
تمثل محافظة الحسكة النموذج الأبرز لغياب المساواة في الإطار القانوني السوري، نتيجة سياسات ممنهجة استهدفت المكون الكردي.
1. إحصاء 1962: الجراحة القسرية للديموغرافيا
بموجب المرسوم التشريعي رقم 93 لعام 1962، أُجري إحصاء استثنائي في يوم واحد بذريعة ضبط الهجرة. كانت النتائج كارثية؛ حيث جُرد ما بين 65 إلى 120 ألف كردي من جنسيتهم، ومن بينهم شخصيات وطنية رفيعة كاللواء توفيق نظام الدين. هذا الإجراء لم يستند لمعايير قانونية، بل كان قراراً سياسياً أدى لانقسام العائلات بين( مجنس، وأجنبي، ومكتوم قيد)
2. الفئات القانونية المشوهة الناتجة عن الإحصاء:
• أجانب الحسكة: مُنحوا "بطاقة أجنبي" وحُرموا من التملك، التوظيف في القطاع العام، السفر، وحتى الزواج الرسمي. بلغ عددهم عام 2011 حوالي 346 ألف شخص.
• مكتومو القيد: الفئة الأشد بؤساً، فهم "موجودون بيولوجياً ومعدومون قانونياً". لا يملكون سوى إشعار من المختار، وحُرموا من التعليم، الرعاية الصحية، وحتى تسجيل الولادات والوفيات.
مأساة البحث العلمي: يبرز حجم الظلم في حالة طلبة الدراسات العليا في جامعة دمشق، الذين أتموا أبحاث الدكتوراه بتفوق، لكنهم حُرموا من الشهادة لعدم امتلاكهم "الرقم الوطني"، مما يمثل قتلاً معنوياً للكفاءات الوطنية.
المحور الرابع: التطورات القانونية بعد 2011 والمرسوم رقم 49
مع اندلاع الثورة، أصدر النظام المرسوم التشريعي رقم 49 لعام 2011 لمنح الجنسية لـ "أجانب الحسكة".
1. نقد المرسوم 49 من منظور حقوقي
رغم كونه خطوة لتصحيح خطأ تاريخي، إلا أنه ظل "إجراءً تكتيكياً" وليس إصلاحاً بنيوياً:
• استثناء المكتومين: ظل "مكتومو القيد" خارج الإطار القانوني، مما كرس تهميشهم.
• غياب العدالة التصحيحية: لم يُرافق المرسوم أي إجراءات لتعويض المتضررين عن عقود الحرمان من العمل والتملك. إن المواطنة لا تُختزل ببطاقة شخصية، بل هي منظومة حقوق متكاملة وضمان للكرامة.
المحور الخامس: الخاتمة.. استشراف مستقبل المواطنة والعدالة الانتقالية
أولاً: النتائج المستخلصة من الدراسة
1. انهيار العقد الاجتماعي: إن السياسات التمييزية أدت إلى فقدان الثقة بين المواطن والدولة، مما عزز الهويات الفرعية على حساب الهوية الوطنية الجامعة.
2. المواطنة لا تقبل التجزئة: إن حرمان فئة واحدة (كالأكراد في الحسكة) من حقوقها هو تهديد لمنظومة الحقوق العامة لكل السوريين.
3. علاقة المواطنة بالعيش المشترك: المواطنة الحقيقية هي الضامن الوحيد للتعايش السلمي؛ فبدون عدالة قانونية، يتحول التنوع من مصدر قوة إلى فتيل للنزاع.
ثانياً: المقترحات الاستراتيجية (خارطة الطريق التشريعية)
بصفتنا حماة للقانون، نضع المقترحات التالية لبناء سورية المستقبل:
1. الدسترة المطلقة للمواطنة: النص في الدستور الجديد على أن المواطنة حق أصيل يُكتسب بالميلاد والانتساب للأرض، ولا يجوز سحبه أو التمييز بسببه تحت أي ظرف.
2. تصفية ملف مكتومي القيد: إصلاح السجل المدني فوراً لمنح الجنسية لكافة المكتومين بأثر رجعي، مع ضمان حقوقهم في التملك والتعليم والعمل.
3. إصلاح المنظومة القضائية: تفعيل الفصل الحقيقي بين السلطات لضمان عدم تغول الأجهزة الأمنية في المسائل المدنية وشؤون الهوية.
4. تفعيل العدالة الانتقالية: معالجة انتهاكات العقود الماضية وجبر ضرر المتضررين من السياسات التمييزية (كالحزام العربي وإحصاء 1962).
5. المواطنة والتعليم: بناء مناهج تربوية تعزز قيم التعددية القومية والدينية، وترسخ الانتماء الوطني القائم على "المساواة في الاختلاف".
كلمة ختامية:
إن سورية المستقبل ليست للعرب وحدهم، ولا للأكراد وحدهم، بل هي لكل مواطنيها بكل تنوعاتهم. إن إنصاف "مكتومي القيد" في الحسكة ليس مجرد مطلب فئوي، بل هو المعيار الأخلاقي والقانوني لنجاح أي مشروع وطني يهدف لبناء دولة عادلة. إن المواطنة هي الأداة الأهم لإعادة بناء ما دمرته عقود الإقصاء، وهي الطريق الوحيد نحو استقرار مستدام يقوم على احترام كرامة الإنسان دون تمييز.