فصل تراجيدي جديد...!
علي جزيري
يُروى - والعهدة على الراوي - كيف قضى (صالح شمو)، ابن قريته الشنگالية عمره حفاراً للآبار في قرى شنگال، منذ بدايات سبعينيات القرن المنصرم. ويقضي جُلَّ نهاره كالخلد تحت الأرض، وقلما تسنى له أن يُكّحِل مقلتيه بالشمس، وحين يُسأله عن صحته، يجيب: صَنِّفوني في عِداد الموتى...لايفارقني هاجس انهيار البئر أو سقوط سطل يتدلى فوق رأسي مليء بالتراب والماء وأنا أقبع كالسمكة في قاع البئر.
يتفرق أهالي القرية حين يداهم (داعش) قريتهم في 3 آب 2014؛ منهم من لجأ إلى جبل سنجار كملاذ آمن، وفق المثل الدارج: "لا أصدقاء سوى الجبال"، فالجبل بكهوفه ووعورة منحدراته ووديانه السحيقة، سبق أن حمى أسلافهم الايزيديين من 73 حملة خلت من حملات الجينوسايد (الفرمانات)؛ أما مَنْ حالفه الحظ فقد فرَّ بجلده؛ كما وقع الكثير منهم في مصيدة جيرانهم العرب والتركمان، الذين أضحوا أدوات طيعة في يد التكفيريين، خريجي مدرسة ابن تيمية.
وبعد تحرير المنطقة عادوا، لكنهم علموا أن صالح (سمكة قيعان الآبار) قد مات عطشاً في أعالي الجبل وقضى نحبه، لأنه لم يظفر بجرعة ماء تنقذه.
أما المرأة الايزيدية، من أمثال Zerîfa Osê وGula Baro فكانت مشاركة دوماً في التصدّي لحملات التطهير العرقي، فحاربت المذكورتان إلى جانب المقاتلين الأساوش في جبل شنگال، وتزودانهم بالماء والزاد وتطببانهم. وعندما أعلن النفير العام إبان حملة الفريق عمر وهبي باشا على الشنگاليين وإجبارهم على اعتناق الإسلام، انضوى المرتزقة المحليون تحت لوائه في 15 نيسان 189، لكن تمكن الكرد الايزيديون من إلحاق الهزيمة بالقوات العثمانية، نظراً لبسالتهم المنقطعة النظير، وأجبروها على الانسحاب.
بيد أن اللبوات حين يحاصرهن العدو، كن يُقْدِمْنَ على الانتحار لئلا يقعن لقمة سائغة في يده، فوالدة المقاتل Memoyê Elî Hiso الايزيدية طلبت منه أن يقتلها بنفسه، كيلا تقع سبية في أيادي قوات اللواء الركن العراقي حسين فوزي أثناء حملته على جبلهم عام 1935؛ مما يذكرنا بما أقدمت عليه النساء في ملحمة قلعة دِمْدِمْ، أسطورة المقاومة الكردية في مواجهة العجم. مثلما أقدمت العديد من المقاتلات الكرديات، أثناء تصديهن لحملات داعش في الجزء الكوردستاني الملحق بسوريا، التضحية بأنفسهن أثناء الحصار، خشية وقوعهن في الأسر، رغم خوضهن أشرس المعارك ضد مقاتلي تنظيم الدولة الإسلامية في كوبانى وغيرها.
وما الملحمة التي سطرها مدافعو حيي الأشرفية والشيخ مقصود في حلب قبل أيام في مواجهة مرتزقة هذا التنظيم الإرهابي، الذي تحرك بتوجيه ومساندة المستترك (هاكان فيدان) قاسم سليماني سوريا الجديدة، ونظيره وأداته الطيعة (الشيباني)، ما هي سوى وصمة عار في جبين العالم الصامت، والاعلام العربي المزيّف وأبواقه التي تدعو إلى التمثيل بالجثث وسحل الجرحى، من أمثال أسعد الزعبي وفيصل القاسم؛ ولن ننسى مفتي حلب الذي هدّد بالأمس المكونات السورية قاطبة، قائلاً: سنمنع عنكم حتى "الهواء"...!