من خطاب الأحقية إلى سياسة الفعل
شيركوه كنعان عكيد
من نافل القول إن القضية الكردية في سوريا قضية محقة وعادلة، لكن السياسة الواقعية لا تقوم في الحقيقة على مبادئ العدالة والحق وحدهما.
هذه الأحقية، مهما كانت عادلة، تبقى بلا معنى حقيقي إن لم تتحول إلى برنامج قابل للتنفيذ، من خلال تعريف واضح للمطالب، وتحويل الشعارات العامة إلى مطالب محددة ومشروع وطني واقعي. فالعدالة والحق كلمتان مجردتان إن لم يتجسّدا في ممارسات حقيقة تعبر عنهما.
بالرغم من أن طرح خطاب الأحقية والمظلومية ربما يترك أثراً عاطفياً في بعض جوانبه إلا أنه غير قادر على إنتاج سياسة فاعلة، لأنه يعرّض المظالم لكنه لا يقدّم الحلول لعدم تكرارها، ويستمر في لعب دور الضحية واستحضار الماضي أكثر من التركيز على المستقبل ولذلك يبقى محصوراً في زوايا الانتظار، في حين أن السياسة هي عملية تقوم على المبادرة بتقديم تصوُّرات ومشاريع واضحة قابلة للتنفيذ، وبناء العلاقات مع الأطراف الفاعلة على أساس المصالح المشتركة والشراكة المستقبلية، دون الاستمرار في انتظار كسب تعاطف الآخرين.
ولهذا ومن هذا المنطلق، فإن الانتقال من خطاب الأحقية الى الفعل السياسي يستوجب اعتماد أدوات ضغط فعالة وقادرة على عرض المطالب من منطلق الخطابات إلى حيز التأثير والضغط. وفي مقدمة هذه الأدوات يبرز التظاهر السلمي المنظم بوصفه وسيلة سياسية مباشرة تظهر الإرادة الشعبية كقوة ضغط لا يستهان بها تفضي الى إنهاء حالة الانتظار، بدلاً من إبقاء القضية مؤجلة الى ما لا نهاية.
لعل أكثر التساؤلات إلحاحاً التي تطرح اليوم في الشارع الكوردي خاصة والسوري عامة هو: لماذا لا تبادر الدولة للتفاوض مع الكورد، وتؤجّل بالمقابل الحوارات الممهدة لأية مفاوضات قادمة؟
وهذا سؤال مشروع برسم الدولة والأطراف التي تمثل الكورد معاً.
فالدولة من جهتها تؤجل المفاوضات لأنها مقتنعة أن عامل الوقت لا يزال يلعب لصالحها، وإن تأجيل الملف الكوردي هو عامة أقل خطورة وكلفة من الاعتراف الرسمي، خاصة مع غياب أي ضغط خارجي يلزمها بالتفاوض.
ولا يفوتنا أيضاً أن نذكر بمخاوف السلطة من حساسية الدول الإقليمية تجاه فتح الملفات الأخرى المتعلقة بباقي المكونات وطريقة معالجتها، بالإضافة إلى الذريعة المعتادة، ألا وهي الانقسام الكوردي وعدم وجود جهة مفاوضة تمثل كل الكورد.
أما فيما يتعلق بالكورد أنفسهم، فإن أول ما يمكن الإشارة إليه هو حالة الانقسام المزمنة التي تعاني منها الحركة السياسية الكوردية، وتشتت قواها، وبالتالي غياب استراتيجية موحّدة للضغط على السلطة من أجل فتح ملف التفاوض المؤجل مع مراعاة عدم الدخول في صدام مباشر. ولعل أحد أهم تحديات الحركة الكردية هو الخلط بين الملفات السياسية والأمنية من قبل بعض أطراف الحركة أحياناً، والقيام بمبادرات فردية مع السلطة دون تنسيق سياسي متفق عليه، الأمر الذي يؤدي الى إضعاف الموقف الكوردي وتشتته.
فالمشكلة إذاً لا تتعلق بالأنظمة المتعاقبة، ولا بطبيعة النظام الحالي فحسب، بل أنها تكمن في الأساليب التي نقدّم بها أنفسنا بصفتنا جزءاً من الحل للمعضلة السورية، وكشركاء سياسيين محتملين في المستقبل.
فما هي الأدوات التي نملكها فعلياً، ويمكن الانطلاق منها لدفع السلطة الى طاولة الحوار والتفاوض؟
الحقيقة، يمكن للمجلس الوطني الكردي أن يلعب دوراً محورياً هاماً في هذه المسألة بالرغم من الانتقادات الشديدة التي وجهت إليه سواء قبل سقوط النظام أم بعده، فهو رغم كل شيء يجسّد المشروع القومي والوطني، ويمثل شريحة واسعة من المجتمع الكوردي نظراً لعدد الأحزاب السياسية المنضوية فيه، وكذلك بحكم تاريخه كحركة معارضة معترف بها في العديد من المحافل الدولية وخطابه غير التصادمي تجاه الدولة السورية.
غير أن هذه العوامل، على أهميتها، لا تكفي وحدها لفرض حضور قوي على طاولة التفاوض. فلا يزال المجلس يعاني من ضعف في التأثير العام في الجماهير الكوردية المنقسمة أيضاً على نفسها، وتفتقر الى رؤية تفاوضية محددة تسمح للدولة وللمجتمع السوري فهمها وتقبلها.
لذا يمكن للمجلس الوطني الكردي والحركة السياسية الكردية أن يمتلكوا أدوات فاعلة لتعزيز موقفهم إذا تم توحيد رؤيتهم، من خلال صياغة مطالب واضحة ومحددة تشمل الحقوق القومية والتمثيل السياسي، وتشكيل فريق مفاوض، مركزي وموحد يمتلك الكفاءة والاحترافية، وضمان إيصال الرسائل والمطالب بدقة بما يعكس مصالح الشعب الكردي ويحافظ على الموقف الوطني السوري بآن معاً.
لكن أهم أداة من أدوات العمل النضالي تكمن في إرادة الجماهير والتفاف الشارع الكوردي حول ممثليه، والتفاعل الإيجابي مع قيادة الحركة السياسية. وفي ظل غياب أي مسار تفاوضي حقيقي، فان صمت الشارع، الذي يعكس في جوهره صمت الحركة السياسية، قد يفهم على أنه تسليم بالأمر الواقع، الأمر الذي يشجع السلطة على الاستمرار في سياسة المماطلة والتسويف، طالما أنها لا تواجه ضغطاً شعبياً حقيقياً. وانطلاقا من ذلك، يصبح من واجب المجلس الوطني والقوى السياسية الكوردية البدء بتنظيم مظاهرات ومسيرات سلمية كوسيلة ضغط مشروعة، ولا سيما في ظل تجاهل السلطة المتواصل لفتح قنوات التفاوض حول القضايا العالقة، وفي مقدمتها الملف الكوردي.
إن اتباع أسلوب التظاهر والاحتجاج السلمي يشكل أداة فعالة لإيصال صوت الشارع الى الداخل والخارج، وبقوة تفوق قوة أي بيان سياسي او نداء إعلامي.
إننا أولاً وأخيراً شعب حي، وعلينا إن نثبت أننا ما زلنا ننبض بالحياة.