سوريا: حين يصبح النصر نقيض الحياة

سوريا: حين يصبح النصر نقيض الحياة

د. كاميران حاج عبدو

ما جرى ويجري في سوريا من اقتتالٍ ومجازر على امتداد ما يقارب خمسة عشر عاماً لا يمكن اختزاله في صراعٍ عسكري أو تنازعٍ على السلطة. إنّه انهيارٌ شامل لمنظومة القيم السياسية والاجتماعية، وانكشافٌ عميق لبنية الاستبداد والعنف التي حكمت سوريا لعقود، وتغذّت عليها قوى متعدّدة، داخلية وخارجية، حتى تحوّل الوطن إلى ساحة مفتوحة للموت والدمار.

إن هذا المسار الدموي، إذا دلّ على شيء، فإنما يدل أولاً على حجم الحقد والكراهية الطائفية والقومية التي زُرعت بعناية عبر سنوات طويلة. فقد عمل نظام البعث، بسياساته الأمنية والإقصائية، على تفكيك المجتمع السوري، لا عبر الاعتراف بتعدّديته، بل عبر استثمارها وتوظيفها في خدمة بقائه. فتمّ تغذية الهويات الفرعية بالخوف والشك، وربط الولاء السياسي بالانتماء الطائفي أو القومي، ما خلق بيئة خصبة للانفجار عند أول تصدّع كبير.

ولم يكن هذا الإرث حكراً على النظام السابق (البعثي) وحده، بل سرعان ما التقطته فصائل أيديولوجية "إسلاموية" و"عروبوية" ادّعت معارضة الاستبداد، لكنها أعادت إنتاجه بأشكال أخرى. هذه الفصائل لم تتعامل مع المجتمع السوري بوصفه مجتمعاً متعدداً ومتساوياً في الحقوق، بل كمادةٍ خام لمشاريعها العقائدية، فوسّعت الشرخ الاجتماعي، وشرعنت العنف باسم الدين أو القومية، وأسهمت في تعميق دائرة الكراهية والانتقام.

أما كرامة الإنسان السوري، وحياته، وحقوقه في الحرية والمساواة، فقد كانت الغائب الأكبر في سلوكيات جميع من حمل السلاح، دون استثناء يُذكر. فالنظام السابق واجه مطالب الناس بالحرية بالرصاص والسجون والتعذيب، فيما مارست فصائل "المعارضة" المسلحة انتهاكات جسيمة لا تقلّ قسوة: قتل على الهوية، اعتقالات تعسفية، محاكم صورية، وفرض أنماط قسرية من العيش والفكر. وهكذا تحوّل الإنسان، الذي كان يفترض أن يكون غاية أي فعل سياسي، إلى مجرد رقم في نشرات القتل، أو ورقة ضغط في لعبة المصالح.

ولا يمكن فهم المأساة السورية بمعزل عن التدخُّل الخارجي، الذي كان وما زال أحد الأسباب الرئيسة لاستمرار المقصلة السورية. فالأرض السورية تحوّلت إلى ساحة تصفية حسابات إقليمية ودولية، حيث دعمت كل قوة خارجية طرفاً يخدم مصالحها، لا مصالح السوريين. هذا التدخل لم يهدف يوماً إلى حماية المدنيين أو دعم انتقال ديمقراطي حقيقي، بل إلى ترسيخ النفوذ، وإدارة الصراع بما يضمن استمراره ضمن حدود مضبوطة، حتى لو كان ثمن ذلك ملايين الضحايا والمهجّرين.

إن تراكم هذه العوامل يفضي إلى حقيقة مؤلمة لكنها ضرورية: لا حل في سوريا، ولا وقف نهائي للاقتتال وهدر الأرواح، عبر السلاح أو الغلبة أو الإقصاء. فكل محاولة لفرض مشروع أحادي، أياً كان شعاره، ستقود إلى دورة جديدة من العنف. الحل الوحيد الممكن يبدأ بالانطلاق من الأرضية والانتماء السوريَّين، وبالإيمان الحقيقي بالحوار، لا بوصفه تكتيكاً مؤقتاً، بل خياراً استراتيجياً يعترف بتعددية المجتمع السوري القومية والثقافية والدينية والسياسية.

ويتطلّب ذلك اتفاقاً صريحاً على عقد اجتماعي جديد، يؤسس لدولة تضمن الحرية والمساواة الكاملة للجميع، دون تمييز أو وصاية. دولة ديمقراطية مدنية تعددية، تقوم على المواطنة لا الأيديولوجيا، وعلى القانون لا السلاح، وعلى الشراكة لا الإقصاء. ولأن المركزية الصلبة كانت أحد أسباب الاستبداد والانفجار، فإن نموذج الاتحاد الاختياري الحر، القائم على قاعدة ديمقراطية، سيشكّل الإطار الأنسب لإدارة التنوع السوري وضمان حقوق مكوّناته.

إن سوريا لا تحتاج إلى منتصرٍ جديد، بل إلى خلاصٍ جماعي يعيد المعنى إلى السياسة والإنسان إلى مركزها. خلاص يعيد للإنسان السوري إنسانيته، ويُنهي حقبة الدم بوضع أسس واضحة لمستقبل لا يُبنى على الخوف والكراهية، بل على المساواة والعدالة والحرية.

وفي الخلاصة الأخيرة، وبعد كل هذا القتل والدمار والتهجير، يغدو من الضروري إعادة مُساءَلة المعاني والشعارات التي استُخدمت لتبرير القتال، والوقوف بصدق أمام السؤال: ما الذي جعل قيمنا تتحوّل إلى أسباب للدمار؟
فالنصر، إذا لم يكن انتصاراً للحياة، يفقد أي قيمة أخلاقية، ويتحوّل إلى مجرّد غلبة خاوية، كصدى فارغ في صحراء الدمار. إن أولى مسؤوليات من يدّعي تمثيل مكوّنٍ ما، أو حمل السلاح باسمه، ليست الزجّ بأفراده في أتون الحروب، ولا تحويلهم إلى وقودٍ لصراعات لا يملكون قرارها، بل حماية أرواحهم وصون كرامتهم وأملاكهم، كون ذلك الأساس الأول لأي شرعية ممكنة، وعلامة صادقة على التزامهم بالإنسانية قبل أي غاية سياسية.

أما حين يُختزل الإنسان إلى أداة، أو يُضحّى به باسم قضية أو هوية أو انتصارٍ مؤجّل، تكون الهزيمة قد تحققت سلفاً، مهما تبدّلت خرائط السيطرة. فالقوة التي تعجز عن حماية من تزعم الدفاع عنهم تنقلب إلى نقيضها، والسلاح الذي يُرفع بذريعة الحماية يفقد كل مبرّره الأخلاقي في اللحظة التي يتحوّل فيها إلى سبب للفناء. عندها، يصبح وضع السلاح جانباً فعلاً أعلى قيمة من الاستمرار به، لا بوصفه تراجعاً، بل باعتباره اختياراً واعياً للحياة على حساب الوهم.

فالمنتصر حقاً ليس من يراكم الانتصارات العسكرية مهما كان الثمن، بل من حفظ أرواح الناس الذين ادّعى تمثيلهم، ومنع عنهم الخراب والتهجير، واختار أن يكون الإنسان غاية الفعل السياسي لا ضحيته. هناك فقط يبدأ المعنى الحقيقي للخلاص، لا كنتيجة لمعركة، بل كتحوّلٍ في الوعي يعيد الحياة إلى مركز الفكرة، ويُنهي الدوران العبثي في دائرة العنف.