غربي كوردستان بين الواقع والطموح

غربي كوردستان بين الواقع والطموح

علي قنجو

تكشف التجارب الكردية المختلفة عن فجوة واضحة بين الواقع السياسي القائم والطموحات القومية الكردية المعلنة حديثًا. ومع ذلك، تشير المعطيات الراهنة إلى إمكانية التوصل إلى تسوية توافقية أكثر واقعية، تقوم على إعادة تعريف العلاقة بين الدولة السورية والقومية الكردية ضمن إطار دستوري يكرّس اللامركزية السياسية، ويضمن الاعتراف بالحقوق القومية المشروعة للشعب الكردي.

يتطلب تحقيق هذا المسار، من جهة أولى، توحيد الخطاب السياسي الكردي، كما جرى في مؤتمر قامشلو، وتفعيل دور الوفد الكردي المشترك، بما يمكّنه من الدخول في مفاوضات مباشرة وجديّة مع الإدارة السورية المؤقتة. ومن جهة أخرى، يستلزم الأمر استعدادًا فعليًا من الدولة السورية للانتقال من المقاربة العسكرية والأمنية إلى مقاربة سياسية شاملة، تُعيد تعريف القضية الكردية في سوريا بوصفها قضية سياسية وحقوقية بالدرجة الأولى، لا قضية أمنية أو عسكرية وظيفية.

كما أنّ نجاحَ أيّ مسار تفاوضي يظلُّ مشروطًا بتوافر إرادة سياسية متبادلة لدى الطرفين. وفي هذا السياق، يمكن القول إن القضية الكردية في سوريا ليست قضية انفصالية بالضرورة، كما يُصوَّر في الخطاب الرسمي السائد، بقدر ما هي تعبير عن أزمة بنيوية في إدارة التعددية القومية، سواءً على المستوى السوري أو في الإطار الأوسع للشرق الأوسط.

وبين واقع يتسم بالتهميش والصراع، وطموح يسعى إلى التغيير والاعتراف والتمثيل العادل، تبقى إمكانية الوصول إلى تسوية سياسية مستدامة مرهونة بإعادة بناء عقد اجتماعي جديد، يقوم على أسس المواطنة المتساوية بين جميع المكونات السورية، وسيادة القانون، واحترام الخصوصيات القومية والسياسية ضمن إطار الدولة الحديثة، من خلال دستور جديد يكرّس هذه المبادئ.

في هذا الإطار، يمكن تصوُّر عدة سيناريوهات سياسية محتملة. يتمثل السيناريو الأول في دمج الإدارة الذاتية، بعد توسيع بنيتها لتشمل المجلس الوطني الكردي، ضمن تسوية سياسية شاملة تكرّس اللامركزية السياسية، وتؤدّي إلى اعتراف دستوري رسمي من قبل الدولة السورية. أما السيناريو الثاني فيقوم على استمرار الوضع الراهن بوصفه شكلًا من أشكال إدارة الأمر الواقع، مع بقاء التوترات قائمة دون حسم نهائي. في حين يتمثل السيناريو الثالث في تراجُع المكتسبات الكردية نتيجة ضغوط عسكرية أو سياسية إقليمية، أو تغيّر مواقف الدول الضامنة، وهو ما قد يُدخل سوريا في دوامة جديدة من عدم الاستقرار.
خلاصة
يقف غربي كوردستان اليوم أمام تحديات جسيمة، بين واقع سياسي تشكّل في ظل الحرب والصراع، وطموح قومي يسعى إلى تحقيق الاعتراف والتمثيل العادل ضمن إطار الدولة السورية الجديدة. وبين هذين البعدين، يبقى مستقبل كُرد سوريا مرهونًا بقدرتهم على معالجة تحدياتهم الداخلية، والانخراط في مشروع وطني سوري جامع، يعيد بناء الدولة على أسس المواطنة والتعددية، بعيدًا عن سياسات الإقصاء والإنكار التي سادت في المراحل السابقة.