القضية الكردية في سوريا: حين يفشل السلاح… وتصبح السياسة قدَراً

القضية الكردية في سوريا: حين يفشل السلاح… وتصبح السياسة قدَراً

شادي حاجي

لم تعد القضية الكردية في سوريا مسألة خلاف عابر أو ملفاً مؤجلاً يمكن ترحيله أو تهميشه وعدم البحث فيه. إنها اليوم مرآة تعكس جوهر الأزمة السورية نفسها: أزمة دولة ترفض الاعتراف بتعدديتها، وتصرّ على إدارة التنوع بمنطق أمني أثبت فشله تاريخياً وسياسياً.
على مدى عقود، قامت الدولة السورية على نموذج الدولة القومية المركزية الصلبة، التي افترضت تجانساً قسرياً في مجتمع متعدد القوميات والأديان والطوائف. وبدلاً من التعامل مع هذا التنوع بوصفه حقيقة اجتماعية وثروة وطنية، جرى اختزاله إلى “مشكلة أمنية”.
في هذا السياق، لم يُنظر إلى الكرد كشعب أصيل يعيش على أرضه ويناهز تعداده ١٥٪؜ من سكان سوريا ويشكل القومية الثانية في سوريا، بل كعبء يجب إنكاره أو ضبطه.
تجلّى ذلك بوضوح في سياسات التعريب الممنهجة، والإحصاء الاستثنائي لعام 1962، ومنع اللغة والثقافة الكردية، والإقصاء شبه الكامل للكرد من مؤسسات القرار. لم تكن هذه السياسات فشلاً أخلاقياً فحسب، بل فشلاً وظيفياً أيضاً؛ إذ لم تنتج دولة مستقرة، ولا هوية وطنية جامعة، بل راكمت أسباب الانفجار.

من الإنكار إلى الصدام
خلافاً للسرديات السائدة، لم تكن المطالب الكردية في سوريا تاريخياً انفصالية أو استقلالية، بل تمحورت حول الاعتراف بالحقوق القومية والسياسية والثقافية والاجتماعية ضمن الدولة السورية. غير أن الإصرار الرسمي على الإنكار دفع هذه المطالب من المجال الحقوقي إلى المجال السياسي–الأمني، ثم إلى المجال العسكري بعد عام 2011.
وهنا تكمن المفارقة الكبرى: الدولة التي تخشى التفكك، هي نفسها التي صنعت شروطه.
وهم الحسم العسكري
تُظهر التجربة السورية بوضوح أن الحل العسكري، سواءً أكان موجّهاً ضد الكرد أو جرى استخدام الكرد ضمن صراعات أوسع، لم يؤدِّ إلى استعادة السيادة، ولا إلى توحيد المجال الوطني، ولا إلى إنهاء التدخلات الخارجية. على العكس تماماً، أدّى إلى نشوء كيانات أمر واقع، وتدويل القضية الكردية، وربط مصيرها بأجندات إقليمية ودولية.
في المجتمعات متعددة القوميات والأديان والطوائف، لا ينتج العنف وحدة وطنية، بل يعمّق القطيعة، ويشرعن الانفصال النفسي والسياسي، حتى لو لم يتحول إلى انفصال جغرافي.
ماذا تقول التجارب المقارنة؟
تقدّم تجارب دول متعدّدة القوميات والأديان والطوائف دروساً لا يمكن تجاهلها:
العراق: الاعتراف الدستوري بإقليم كوردستان بعد 2005، رغم كل أزماته، أنهى قرابة قرن من الحروب بين الدولة المركزية والكرد. المفارقة أن العراق قبل الفيدرالية كان أكثر قمعاً وأقل وحدة.
إسبانيا: رغم أزمة كاتالونيا، لم تلجأ الدولة إلى حرب داخلية، بل إلى أدوات السياسة والقضاء والدستور، ما يؤكد أن الدولة الواثقة من نفسها لا تخشى اللامركزية، بل تخشى فقدان الشرعية.
كندا: كلما توسعت صلاحيات مقاطعة كيبيك، تراجعت النزعة الانفصالية. الاعتراف قتل الانفصال، بينما القمع كان وقوده الأساسي.
الدرس المشترك واضح: القمع يولّد الانفصال، لا الاعتراف.
سوريا: مشكلة دولة لا مشكلة التعددية
إن إصرار السلطة المؤقتة في دمشق على اتباع الأساليب نفسها التي كان يتبعها النظام السابق الساقط، القائمة على المركزية المطلقة، والدولة الأمنية، واحتكار الهوية الوطنية بلون واحد، لا يعكس حرصاً على الوحدة بقدر ما يكشف عجزاً بنيوياً عن إدارة التعددية. أي حل واقعي ومستدام للقضية الكردية لا يمكن أن يكون أمنياً أو عسكرياً، بل يجب أن يقوم على:
اعتراف دستوري صريح بالكرد وبحقوقهم القومية المشروعة كمكوّن وطني أصيل.
لامركزية سياسية حقيقية.
شراكة فعلية في السلطة المركزية.
تفكيك المنطق الأمني في إدارة التنوع.

الخلاصة
القضية الكردية في سوريا ليست مشكلة حدود، بل مشكلة دولة.
وليست أزمة هذا المكون أو ذاك المكون، بل أزمة نظام سياسي يرفض الاعتراف بالتعددية.
التجارب المقارنة تؤكد أن الدول التي تجاهلت قضاياها القومية والدينية والطائفية دفعت أثماناً وجودية، بينما تلك التي واجهتها بالسياسة والقانون حافظت على وحدتها.
لذلك، لم يعد السؤال: هل يريد الكرد حلاً؟
بل السؤال الحقيقي هو:
هل تريد الدولة السورية أن تكون دولة لجميع مواطنيها، ولكل مكوناتها؟
وحدها الإجابة الصادقة عن هذا السؤال تفتح الباب لمستقبل أفضل.