حلب بين الصفقات الإقليمية واستهداف حيّي الأشرفية وشيخ مقصود
شيار آلياني
إنّ ما جرى، ويجري في حيّي شيخ مقصود والأشرفية بمدينة حلب لا يمكن قراءته كحدث أمني معزول، ولا فصله عن السياق الإقليمي والدولي الأوسع، ولا عن سلسلة التفاهمات والصفقات السياسية التي عُقدت خلف الأبواب المغلقة، والتي لعبت فيها أجهزة الاستخبارات الإقليمية، وعلى رأسها المخابرات التركية، دورًا محوريًا في إدارة المشهد وتوجيه مساراته.
فقد تزامنت التطورات الميدانية في حلب مع الاجتماع الذي جرى في باريس بين وزير خارجية سوريا أسعد الشيباني وممثلين عن الجانب الإسرائيلي، برعاية غير معلنة، وبمباركة واضحة من وزير الخارجية التركي هاكان فيدان، في إطار ترتيبات إقليمية جديدة تهدف إلى إعادة تقاسم النفوذ في سوريا. وفي هذا السياق، جاء التصعيد العسكري في حيّي شيخ مقصود والأشرفية، ذوي الغالبية الكردية، كأداة لصرف أنظار الشارع السوري عن التنازلات الخطيرة التي جرى تمريرها في باريس، عبر إشغاله بأحداث مفتعلة في الأحياء الكردية بحلب.
وبحسب ما رشّح من معطيات وتحليلات، فإن هذه التفاهمات تقوم على معادلة شديدة الخطورة، مفادها: تسليم جنوب سوريا لإسرائيل، ووضع حلب والمناطق الشمالية تحت النفوذ التركي، مقابل "تنظيف" الأحياء الكردية في مدينة حلب من عناصر قوات سوريا الديمقراطية (قسد)، مع تكريس شرق الفرات كمنطقة نفوذ أمريكي تُدار عبر قسد بذريعة محاربة تنظيم داعش. ورغم غياب الإعلان الرسمي عن مثل هذه الصفقات.
ولا يمكن في هذا الإطار تجاهل ما لم يُكشف بعد عن تفاصيل اللقاء الذي جمع بنيامين نتنياهو بالرئيس الأمريكي دونالد ترامب، ولا فحوى الاتصال الهاتفي الذي جرى بين ترامب والرئيس التركي رجب طيب أردوغان. فهذه اللقاءات، وإن بقيت طيّ الكتمان، تبدو كخيوط أساسية في نسيج تفاهمات غير معلنة يُعاد من خلالها رسم خرائط النفوذ في المنطقة على حساب الشعوب وحقوقها وقضاياها العادلة.
الحيّان كحلقة أضعف في معادلة الصراع ضمن هذا الإطار الأوسع، يأتي ما يتعرض له الكرد في حيّي شيخ مقصود والأشرفية لا كحدث طارئ أو استثنائي، بل كنتيجة مباشرة – أو انعكاس عملي – لمضامين تلك التفاهمات. فالحيّان يُعدّان من أكثر المناطق هشاشة في معادلة الصراع القائم بين السلطة وقسد، وقد تحوّلا بحكم موقعهما الجغرافي وتركيبتهما السكانية إلى الحلقة الأضعف التي يجري استهدافها كلما تعثّر مشروع السلطة أو فشلت في تحقيق أهدافها المعلنة.
ولم تكن شيخ مقصود والأشرفية يومًا طرفًا رئيسيًا في صراع النفوذ الإقليمي، بقدر ما كانتا ساحة سهلة لتفريغ العجز السياسي والعسكري. فموجات القصف والتصعيد التي طالت الحيّين لا يمكن فصلها عن محاولة السلطة التغطية على فشلها في تنفيذ تهديداتها السابقة، ولا سيما المهلة التي أعلنتها لإنهاء ما سمّته «ملف قسد»، والتي انتهت دون أي نتائج ملموسة. هذا الفشل دفعها إلى البحث عن أهداف بديلة توهم من خلالها جمهورها بقدرة مزعومة على الحسم، فكان المدنيون هم الضحية الأولى.
إلى جانب ذلك، يندرج هذا التصعيد في إطار صرف الأنظار عن التنازلات السياسية والأمنية التي قُدّمت في الجنوب السوري، ولا سيما تلك المتعلقة بإسرائيل، والتي كشفت التناقض الفاضح بين الخطاب المعلن والممارسات الفعلية في الكواليس. كما يأتي ضمن مسعى واضح لإعادة تدوير وحماية شخصيات اقتصادية وسياسية محسوبة على النظام البائد، عبر تقديم تنازلات تضمن استمرار مصالحهم ونفوذهم، ولو كان الثمن مزيدًا من الدم والدمار في مناطق أخرى.
إن استهداف شيخ مقصود والأشرفية لا يعكس قوة السلطة بقدر ما يفضح مأزقها البنيوي، ويؤكد اعتمادها سياسة الهروب.