الرئيس مسعود بارزاني درع الكرد وميزان العدالة في زمن الفتن

الرئيس مسعود بارزاني درع الكرد وميزان العدالة في زمن الفتن

جوان علي

في الأزمنة التي تتكسّر فيها القيم تحت أقدام الصراعات، ويُقاس فيها الرجال بقدرتهم على الصمت لا على الموقف، ينهض مسعود بارزاني كاستثناءٍ نادر، كصوتٍ يعرف متى يعلو ومتى يهدأ، ومتى يصبح الصمت خيانة. مواقفه الأخيرة تجاه ما يجري في سوريا، ولا سيما في حلب، لم تكن صدى للأحداث، بل كانت بوصلةً أخلاقية وسط ضباب السياسة وركام المدن.
حين اشتعلت حلب، لم ينظر بارزاني إليها من نافذة الجغرافيا، بل من شرفة الوجدان. رأى في الكرد هناك وجوهاً تشبه وجوه جبال كوردستان، ورأى في معاناتهم جرحاً لا يعترف بالحدود. لذلك جاءت اتصالاته ورسائله كمن يمدّ يدَهُ وسط الحريق، لا ليختار طرفاً، بل ليحمي إنساناً.
في حديثه مع الرئيس السوري أحمد الشرع، لم يكن يفاوض على امتياز، بل كان يطالب باعترافٍ بالحقيقة: أن الكرد جزءٌ أصيل من نسيج سوريا، وأن الأوطان لا تستقيم إذا بُنيت على إنكار أحد مكوّناتها. كان كلامه أشبه بزرع شجرة في أرضٍ أنهكتها العواصف، شجرة اسمها الشراكة.
وفي تواصله مع المبعوث الأمريكي، بدا بارزاني كحارسٍ للزمن القادم. لم يكتفِ بوصف الألم، بل حذّر من تحوّل الخلافات السياسية إلى نيرانٍ قومية تأكل الجميع. دعا إلى التهدئة لا بوصفها تنازلاً، بل باعتبارها شجاعة. فالحكمة، في قاموسه، ليست ضعفاً، بل قدرة على إنقاذ الدم قبل أن يصبح لغة الحوار الوحيدة.
غير أن ذروة الموقف، حيث تتجلّى العظمة بلا حسابات، كانت في رسالته بشأن العرب السوريين المقيمين في إقليم كوردستان. هناك، وقف بارزاني في وجه موجة الغضب، وقال ما لا يقوله إلا من امتلك شجاعة العدل: لا ذنب يُحمَّل لجماعة، ولا كرامة تُداس باسم الألم. دافع عن اللاجئ كما لو كان ابن الجبل، وعن العربي كما لو كان أخاً في المصير. بتلك الكلمات، لم يحمِ فئةً فقط، بل حمى صورة كوردستان كأرضٍ فتحت أبوابها حين أُغلقت الأبواب.
بارزاني هنا لم يكن زعيم قومٍ فحسب، بل ضمير أمة. حمل همّ الكرد في سوريا كما يحمل الجبل ثلجه، بصبرٍ وثبات، لكنه في الوقت ذاته رفض أن يتحوّل هذا الهم إلى سكينٍ في خاصرة الآخرين. كان واضحاً في رفضه لأي تطهيرٍ أو تهجير، وحاسماً في الدفاع عن الحقوق، دون أن يسمح للحق أن يتحوّل إلى أداة انتقام.
ما يميّز الرئيس بارزاني ليس فقط مواقفه، بل التوقيت الذي يختار فيه الوقوف. يقف حين يتراجع كثيرون، ويتكلم حين يفضّل آخرون السلامة. لذلك يبدو وكأنه رجلٌ من زمنٍ آخر، زمنٍ كانت فيه القيادة مسؤولية أخلاقية قبل أن تكون موقعاً سياسياً.
في دخان حلب، وفي قلق الكرد السوريين، وفي خوف اللاجئ العربي في كوردستان، يظهر بارزاني كظلّ جبلٍ طويل، لا يميّز بين من احتمى به، بل يكفيه أن يكون إنساناً. هكذا يُكتب التاريخ لا بالشعارات، بل بالمواقف. وهكذا يبقى مسعود بارزاني رجلاً نادراً، لأن قلبه اتّسع لقضية قومه، دون أن يضيق بالإنسان أينما كان.