حماية مكتسبات شعب كوردستان: واجب أخلاقي وضرورة تاريخية
فاضل دلي
تُعدّ المكتسبات التي حققها شعب كوردستان عبر عقود طويلة من النضال والتضحيات الجسام نتاجًا طبيعيًا لمسيرة كفاحٍ وطنيٍ عادل، كُتبت فصوله بدماء الشهداء وصبر الأمهات وآهات الجرحى وآمال الأجيال. هذه المكتسبات لم تكن يومًا منحةً أو مصادفة سياسية، بل جاءت ثمرة إرادة صلبة وإيمان عميق بحق الحياة والحرية والكرامة. ومن هنا، فإن حمايتها وصونها لا يُعد خيارًا سياسيًا أو موقفًا مرحليًا، بل هو واجب أخلاقي وإنساني وضرورة حتمية لا يمكن تجاوزها أو التفريط بها بأي شكل من الأشكال.
لقد عانى شعب كوردستان على مرّ التاريخ من سياسات الإقصاء والإنكار والاضطهاد، وتعرّض لأبشع أشكال الظلم الجماعي، من حملات الإبادة والتهجير القسري إلى محاولات طمس الهوية والثقافة واللغة. ورغم ذلك، لم تنكسر إرادته، بل تحوّل الألم إلى قوة، والمعاناة إلى وعي، والدم إلى عهدٍ لا يُنقض. فكلُّ شبرٍ من أرض كوردستان، وكلُّ حقٍ سياسي أو إداري أو ثقافي تحقق، يحمل في طياته تضحيات لا تُقدّر بثمن، ما يجعل التفريط بها خيانة لدماء الشهداء وإهانة لمعاناة الأحياء.
إن حماية هذه المكتسبات ليست مسؤولية جهة واحدة أو حزب بعينه، بل هي مسؤولية جماعية تشمل القياداتِ السياسيةَ، والمؤسساتِ الرسميةَ، وقوى المجتمع المدني، والمثقفين، والإعلام، وكلّ فرد من أبناء الشعب. فالمكتسبات الوطنية لا تُحمى بالشعارات وحدها، بل بالوحدة الوطنية، والوعي السياسي، وبناء المؤسسات القوية القادرة على مواجهة التحديات الداخلية والخارجية.
كما أن صون المكتسبات يتطلّب إدارة رشيدة قائمة على الشفافية والمساءلة وسيادة القانون، لأن الفساد وسوء الإدارة يشكّلان خطرًا داخليًا لا يقلّ فتكًا عن التهديدات الخارجية. إنّ أيّ خلل في العدالة أو تهميش لأيّ مكوّن أو فئة اجتماعية يُضعف الجبهة الداخلية، ويفتح الباب أمام محاولات النيل من التجربة الكوردستانية ومكتسباتها. لذلك، فإن ترسيخ مبادئ الديمقراطية، واحترام حقوق الإنسان، وضمان التعدُّدية السياسية والفكرية، هي أسس جوهرية لحماية المنجزات وصونها.
ولا يمكن الحديث عن حماية مكتسبات شعب كوردستان بمعزل عن أهمية الوحدة والتفاهم بين القوى الكوردستانية. فالخلافات الداخلية، مهما كانت أسبابها، يجب ألا تتحوّلَ إلى صراعات تُهدر الطاقات، وتُضعف الموقف العام. لقد أثبتت التجارب أن الانقسام هو الثغرة الأخطر التي يتسلل منها أعداء الحقوق المشروعة، بينما كانت الوحدة دائمًا صمام الأمان والدرع الحصين في وجه كل محاولات الالتفاف أو الإلغاء.
من جهة أخرى، تفرض المتغيّرات الإقليمية والدولية المتسارعة تحديات إضافية، ما يستدعي قراءة سياسية عميقة وواقعية، تحفظ الثوابت دون تهوُّر، وتدير العلاقات بحكمة دون تنازل عن الحقوق الأساسية. فالمكتسبات التي تحققت بدماء الشهداء لا يجوز أن تكون مادة للمساومة أو أوراقًا تفاوضية مؤقتة، بل يجب أن تُصان ضمن رؤية استراتيجية بعيدة المدى، تُوازن بين المصالح الوطنية والواقع السياسي.
كما أن البعد الإنساني والأخلاقي لحماية المكتسبات لا يقلُّ أهميةً عن بعدها السياسي. فهذه المكتسبات تمثل أملًا لملايين المواطنين في العيش بكرامة وأمان، وتؤسس لمستقبل تُحترم فيه الحقوق، وتُصان فيه الهوية، ويُبنى فيه الإنسان قبل كل شيء. إن أي تراجُعٍ عنها يعني إعادة فتح جراح الماضي، وإعادة إنتاج المعاناة، وهو ما يتعارض مع أبسط القيم الإنسانية والمواثيق الدولية.
ولا بد من التأكيد على دور الأجيال الجديدة في هذه المهمة التاريخية. فحماية المكتسبات لا تقتصر على الحفاظ على ما تحقق، بل تتطلب تطويره وتعزيزه ونقله كقيمة راسخة في الوعي الجمعي. وهذا يستدعي الاستثمار في التعليم، وتعزيز الثقافة الوطنية، وترسيخ مفهوم المواطنة والمسؤولية، حتى يكون الجيل القادم حارسًا واعيًا للمنجزات، لا مجرد شاهدٍ عليها.
ختامًا، إن حماية مكتسبات شعب كوردستان التي تحققت بدماء الشهداء ليست شعارًا عاطفيًا ولا موقفًا ظرفيًا، بل هي التزام أخلاقي وإنساني ووطني لا يقبل التهاون أو التراجع. إنها أمانة في أعناق الجميع، ومسؤولية تاريخية تجاه الشهداء، وتجاه الحاضر، وتجاه المستقبل. فبقدر ما نكون أوفياء لهذه الأمانة، نكون جديرين بتضحيات من سبقونا، وقادرين على بناء غدٍ يليق بشعبٍ قدّم الكثير من أجل الحرية والكرامة.