الهوية بين الأصالة والحداثة: الإنسان والكردي والسوري

الهوية بين الأصالة والحداثة: الإنسان والكردي والسوري

الدكتور: كاميران حاج عبدو

تُعدّ إشكالية الهوية من أكثر القضايا الفكرية والسياسية عمقاً وإثارة للجدل في المجتمعات المتعددة القوميات، ولا سيما في الشرق الأوسط، حيث تتقاطع خرائط السياسة الحديثة مع جذور التاريخ وامتداد الذاكرة الجماعية للشعوب. وتبرز هذه الإشكالية بوضوح في حالة الدول الأربع التي يشكل فيها الكرد شعباً أصيلاً على أرضه التاريخية: تركيا وإيران والعراق وسوريا.

إذ تثير هذه الحقيقة تساؤلاً جوهرياً بالنسبة للكرد، على سبيل المثال في الحالة السورية: هل يكون الإنسان سورياً قبل أن يكون كردياً؟
ليس السؤال مجرد مفاضلة لغوية بين انتماءين، بل هو تساؤل فلسفي يتعلّق بطبيعة الهوية ذاتها: هل تنبع من الإنسان ككائن حر وعاقل سابق على الدولة، أم من الإطار السياسي الحديث الذي يحكمه؟

أولاً: الإنسان كأساس فلسفي للهوية
من المنظور الفلسفي، تُعدّ الإنسانية المقوم الأول لكل انتماء. فالإنسان يولد حراً، ويملك وعياً ذاتياً وقيمة أخلاقية قبل أن تُسند إليه أي هوية قومية أو وطنية.
وقد أكّد فلاسفة الحداثة – من إيمانويل كانط إلى جان جاك روسو وهانا آرنت – أنّ كرامة الإنسان تنبع من كونه غاية في ذاته، لا من انتمائه إلى جماعة أو دولة.
من هذا المنطلق، فإنّ القول: «قبل كل شيء أنا إنسان» هو تعبير عن الجوهر الوجودي للهوية، وعن القاعدة التي تُبنى عليها بقية الانتماءات. فالإنسانية ليست طبقة تُضاف إلى الهوية، بل هي أصلها الذي يضفي على كل انتماء معناه وقيمته.

ثانياً: الهوية القومية كامتداد تاريخي
بعد الإنسان تأتي الهوية القومية بوصفها تجسيداً للوعي الجمعي والذاكرة الثقافية والتاريخية المشتركة.

الكُرد، على سبيل المثال، مكوّن حضاري عميق الجذور، يمتلك لغته وآدابه وتقاليده وامتداده الجغرافي والتاريخي المستمر منذ آلاف السنين. فالهوية الكردية لا تختزل في بعدها الإثني فحسب، بل تشكّل تجربة ثقافية وإنسانية متواصلة تُعبّر عن حضور الإنسان واستمراره في صنع التاريخ وحفاظه على ذاته في وجه التحوّلات السياسية. وعليه، فإنّ القول «أنا كردي» لا يتناقض مع الإنسانية، بل يُجسّدها في صورتها الخصوصية، بوصفه انتماءً يضيف إلى التنوع البشري ولا ينتقص منه.

ثالثاً: الهوية الوطنية كإطار سياسي حديث
أما الهوية الوطنية – كالسورية مثلاً – فهي نتاج العصر الحديث، نشأت عقب الحرب العالمية الأولى ضمن نظامٍ دولي أعاد رسم الحدود والكيانات على أسسٍ سياسية واستعمارية.

فالكيان السوري الحديث، الذي لا يتجاوز عمره قرناً تقريباً، نشأ في إطار التقسيمات الاستعمارية للمنطقة التي صمّمتها القوى الكبرى لتكون أدوات لإدارة موازين القوى، لا لبناء دولة تعبّر عن التعدد الثقافي أو تجسّد تنوّع مجتمعها. ومع ذلك، يمكن للهوية الوطنية أن تكون فضاءً جامعاً إذا تأسست على مبدأ المواطنة المتساوية والاعتراف بالتنوع.
فالسورية بهذا المعنى لا ينبغي أن تُلغِي الكردية ولا أن تتفوّق عليها، بل أن تحتضنها في إطارٍ مدنيٍّ تعدديٍّ يعترف بالاختلاف بوصفه شرطاً للوجود الوطني، لا تهديداً له.

رابعاً: التراتبية الفلسفية للانتماء
من منظور التطوُّر التاريخي والأنثروبولوجي، يمكن القول إنّ الهوية الإنسانية هي الأصل، تليها الهوية القومية / الإثنية ثم الوطنية. وهذا التدرّج يعكس تطوّر الوعي من الفرد إلى الجماعة إلى الدولة.
وعليه، فإنّ الترتيب الطبيعي للانتماءات هو:

إنساني أولاً – لأنه الأسبق وجوداً ومفهوماً.
قومي ثانياً – لأنه تعبير عن الذاكرة التاريخية والهوية الثقافية.
وطني ثالثاً – لأنه بناء سياسي حديث ينظّم الحياة المشتركة.

هذا الترتيب لا ينتقص من الانتماء الوطني، بل يمنحه أساساً إنسانياً وأخلاقياً راسخاً. ومن هنا تنبع الصيغة الأكثر اتزاناً وصدقاً مع الذات:
«قبل كل شيء أنا إنسان، ثم كردي، ثم سوري».

خامساً: البعد الإقليمي للهوية الكردية

إنّ هذا التسلسل في الوعي بالانتماء لا يخصّ الكرد في سوريا وحدها، بل يمتد إلى الوجود الكردي في تركيا وإيران والعراق أيضاً.
فبعد انهيار الدولة العثمانية وتقسيم المنطقة، توزّع الشعب الكردي على أربع دول حديثة. ورغم اختلاف الأنظمة السياسية والظروف التاريخية في كل منها، بقيت الهوية الكردية متماسكة بوصفها هويةً ثقافيةً وإثنيةً عابرة للحدود المصطنعة.
لم تُفلح هذه التقسيمات في محو الوعي القومي الكردي، بل عمّقته؛ إذ جعلته أكثر إدراكاً لذاته وأكثر التصاقاً بجذره الإنساني الأول.
وفي هذا السياق، يغدو القول: «قبل كل شيء أنا إنسان، فكردي، ثم مواطن في دولتي» صيغةً فلسفية جامعة تعبر عن تجربة شعبٍ يعيش على تخوم الجغرافيا السياسية دون أن يتخلى عن ذاته التاريخية أو عن إنسانيته الكونية.
سادساً: نحو رؤية تكاملية للهوية السورية

إنّ المشروع الوطني السوري لا يمكن أن يتحقق إلا عندما تُبنى الدولة على قاعدة المواطنة الحقيقية، التي تعترف بالتعدد الثقافي والقومي كجزء من ثروتها.
فالدولة الحديثة لا يجوز أن تتحوّل إلى أداة لطمس الهويات الأسبق من نشأتها، بل ينبغي أن تكون إطاراً ينظّم هذه الهويات ضمن عقد اجتماعي عادل يصون حضورها، ويحقّق توازنها، ويعزّز ازدهارها.
وعندما تبلغ «السورية» هذا المستوى من الوعي، يمكن للإنسان الكردي أن يقول بثقة: أنا سوري وكردي وإنسان في آنٍ واحد، دون شعور بالتناقض أو بالاغتراب. فالوطن حينئذٍ لا يكون قيداً، بل امتداداً للحرية والكرامة.

الخاتمة

إنّ اختزال الإنسان في أي انتماء سياسي، أو إلزامه بالتخلّي عن هويته القومية باسم الوطنية، هو إلغاء لجوهره الإنساني. كما أنّ الانغلاق القومي دون أفق وطني جامع يمثل انكفاءً عن العالم.
الهوية الناضجة تبدأ بالإنسان، فتتجذر في قومية أصيلة، ثم تنفتح على وطن يحتضنها دون أن يمحوها.
وعندما يتحقق هذا التوازن، يصبح القول: «قبل كل شيء أنا إنسان، فكردي، ثم سوري» تعبيراً عن وعي فلسفي متصالح مع التاريخ والكرامة، وعن رؤية إنسانية ترى في التعدد دعامة للوجود المشترك، لا تهديداً له.