سوريا الجديدة، اللامركزية كحل توافقي بين المطالب الكوردية والضغوط الدولية
عزالدين ملا
تعمل الدول الإقليمية والدولية، ولا سيما القوى المؤثرة في الشأن السوري مثل الولايات المتحدة الأمريكية، وفرنسا، وبريطانيا، وألمانيا، وإسرائيل، بالإضافة إلى تركيا، ودول الخليج، وخاصة السعودية، ودولة الإمارات، وقطر، على ضبط المسارات السياسية والأمنية والاقتصادية في سوريا، بهدف منع أي اختلال قد يؤدّي إلى زعزعة استقرار منطقة الشرق الأوسط، الأمر الذي قد ينعكس سلباً على أمنها القومي.
إن وصول أحمد الشرع إلى رئاسة الحكومة السورية لم يكن حدثًا عابرا، بل جاء نتيجة توافقات إقليمية ودولية دقيقة، تهدف إلى إعادة تشكيل الدولة السورية وفق نموذج لا مركزي، يضمن الحقوق والحريات لجميع المكوّنات والطوائف التي تشكل نسيج المجتمع السوري المتعدد.
في هذا السياق، يُعدُّ الكورد جزءا أصيلا من هذا النسيج الوطني، وهم أصحاب حقوق مشروعة بموجب المواثيق الدولية، وتحظى هذه الحقوق بدعم العديد من القوى الفاعلة، بما في ذلك الحكومة السورية الحالية، لكن التحدّي الأكبر يبقى في تضمين هذه الحقوق في الدستور المستقبلي، والعمل على تنفيذها فعليًا على أرض الواقع.
إن شكلَ الدولة السورية الجديدة لا يُرسم وفق نماذج جاهزة كالفيدرالية أو الكونفدرالية كما هو الحال في بعض الدول، بل يُبنى على توافق وطني شامل يستندُ إلى خصوصيات كلِّ مكوّن، وخاصة الشعب الكوردي، الذي عانى لعقود من التهميش والظلم. لذا فإن إعادة بناء الثقة بين الكورد والنظام السياسي الجديد يتطلّب الاعتراف بالخصوصية الكوردية وضمان حقوقهم المشروعة كجزء من العقد الوطني الجديد.
1-ما طبيعة التفاهمات الإقليمية والدولية التي أفضت إلى تشكيل النظام السوري برئاسة أحمد الشرع، وما حدود الدور الخارجي في رسم مستقبل سوريا؟
2-كيف يمكن لنموذج الدولة اللامركزية أن يحقق توازنًا حقيقيًا بين وحدة سوريا من جهة، وحقوق مكوّناتها القومية والدينية من جهة أخرى؟
3-ما الضمانات المطلوبة لتثبيت الحقوق الكوردية في الدستور السوري الجديد؟ وما الآليات الممكنة لتنفيذها على أرض الواقع؟
4-كيف يُمكن بناء عقد وطني جديد يراعي الخصوصية الكوردية دون اللجوء إلى نماذج الفيدرالية أو الكونفدرالية التي تثير مخاوف بعض الأطراف؟
5-ما العوامل التي تضمنُ نجاحَ التحوُّل السياسي في سوريا دون أن يؤدي إلى تفكك الدولة أو دخولها في صراعات داخلية جديدة؟
الضمانات الكوردية وتوازنات القوى في لعبة التغيير السياسي
تحدث عضو اللجنة المركزية للحزب الديمقراطي الكوردستاني- سوريا، محمد علي إبراهيم لصحيفة «كوردستان»، بالقول: «إنّ التفاهمات التي أفضت إلى وصول أحمد الشرع إلى رئاسة الحكومة السورية لا يمكن اختزالها ضمن إطار التحركات الدبلوماسية الروتينية بل هي نتيجة مباشرة لترتيبات إقليمية–دولية بالغة التعقيد تقاطعت فيها مصالح قوى كبرى ذات تأثير مباشر على المشهد السوري وفرضت نتائجها على شكل السلطة الجديد.
تلتقي تلك القوى على اختلاف رؤاها ومصالحها عند نقطتين محوريتين: الاول - منع الانهيار الكامل للدولة السورية. إذ يشكل استمرار تفكك الدولة السورية خطرا جسيماً على استقرار الإقليم بأكمله. فدوامة الفوضى الممتدة قد تنعكس على دول الجوار مباشرة سواء عبر موجات لجوء جديدة أو عبر تصاعد نفوذ الجماعات المتطرفة في الفراغ الأمني الأمر الذي لا ترغب أي من القوى المؤثرة لا الإقليمية ولا الدولية في السماح بحدوثه.
الثاني - إعادة صياغة النظام السياسي في سوريا، وهنا تظهر التباينات بين الأطراف. فبينما ترى بعض الدول الإقليمية ذات النفوذ أن الحل الأمثل يكمن في بقاء دولة مركزية قوية تتحكم بكامل مفاصل الحياة السياسية والأمنية والإدارية، فإن أطرافاً أخرى لا سيما ضمن التحالف الدولي لا ترى في اللامركزية تهديدا للدولة بل تعتبرها إطاراً واقعياً وقادراً على تجاوز الأزمات التي تراكمت بفعل العقود السابقة من الحكم المركزي القائم على إنكار التنوع القومي والإثني في البلاد.
لقد ساهم هذا التباين في وجهات النظر إلى خلق طيف واسع من التفاهمات المرحلية بين أطراف مختلفة أفضت في النهاية إلى صيغة مؤقتة للحكم وجدت في أحمد الشرع شخصية توافقية مقبولة من معظم الأطراف أو على الأقل لا تثير حساسية فورية لدى أي منها.
ومن اللافت في هذا السياق أن جزءاً كبيراً من الزخم الداعم لهذه الصيغة جاء من أطراف عربية خصوصاً من دول الخليج التي رأت في هذا التغيير فرصة لإعادة سوريا إلى الحاضنة العربية، وفك ارتباطها التدريجي بالمحور الإيراني–الروسي، وهو هدف استراتيجي بات يحظى بإجماع عربي غير معلن.
وان البعد الإسرائيلي حاضر في الخلفية، ولا يمكن إغفال أن من بين العوامل التي سهلت تمرير هذه التفاهمات هو توفر نوايا أكثر مرونة – وإن لم تُعلن رسمياً– لخلق أجواء تفاهم مع إسرائيل أو على الأقل تبريد الجبهة الجنوبية، بما يتوافق مع التوجهات الجديدة لبعض العواصم العربية نحو تطبيع العلاقات مع تل أبيب، وتخفيف حالة العداء التقليدية. وهذا البُعد كان موضع اهتمام خاص من قبل حلفاء الغرب، الذين رأوا فيه نقطة إيجابية في ميزان التغييرات الجارية».
يتابع ابراهيم: «ان الدولة اللامركزية تقوم على مبدأ توزيع السلطة بشكل أفقي بين المركز والأقاليم أو المكونات المختلفة للدولة ما يتيح مرونة أكبر في إدارة الشأن العام ويعزز من فرص المشاركة الفعالة لمختلف الفئات المجتمعية في صنع القرار. ضمن إطار قانوني ودستوري واضح. وتشمل مختلف الصلاحيات مجالات مثل التعليم والثقافة واستخدام اللغة الأم وتشكيل أجهزة أمن محلية لحماية المجتمع وفق ضوابط الدولة.
في الوقت ذاته، تبقى القضايا السيادية الكبرى – مثل السياسة الخارجية، والدفاع الوطني، وإدارة العملة، والتحكم بالموارد الطبيعية – ضمن صلاحيات السلطة المركزية للدولة. وبهذا يتم الحفاظ على وحدة الدولة ومكانتها في النظام الدولي، دون إقصاء لمطالب المكوّنات الداخلية. لكن النجاح مشروط بعدد من الأسس الضرورية لضمان التوازن والاستقرار، وهي: أولاً، وضوح الحدود الدستورية بين صلاحيات السلطة المركزية والسلطات المحلية، لتجنب التداخل والصراعات وضمان احترام كل جهة لحدود مهامها.
ثانياً ضمان التمثيل العادل والمنصف لمختلف المكونات في مؤسسات الدولة المركزية بما في ذلك البرلمان الحكومة والمجالس العليا بما يعكس التنوع المجتمعي ويحول دون تهميش أي فئة».
يضيف ابراهيم: «ان الضمانات تشمل مستويات رئيسية تهدف إلى حماية الحقوق القومية والسياسية والثقافية للكورد وترسيخ مكانتهم كمكوّن أساسي في الدولة ويجب الاعتراف بالكورد كمكوّن قومي أصيل في البلاد بما يشمل النص الصريح في الدستور على هويتهم القومية وحقوقهم وعدم اعتبارهم مجرد أقلية إثنية أو فئة سكانية ثانوية. وضمان استخدام اللغة الكوردية كلغة رسمية في المناطق ذات الأغلبية الكوردية إلى جانب اللغة الرسمية العامة للدولة، مع ما يترتب على ذلك من حقوق في التعليم والمعاملات الإدارية والإعلام والثقافة. وضمان التمثيل السياسي العادل للكورد وتخصيص مقاعد لهم في البرلمان وتمثيلهم في الهيئات الدستورية والمناصب العليا للدولة بما يعكس وزنهم الحقيقي في المجتمع ويعزز مشاركتهم في صناعة القرار. ويجب أن يكون هناك ضمانات قانونية وتشريعية وهي الإطار العملي الذي يفعّل المبادئ الدستورية ويحولها إلى قوانين ملزمة وسياسات قابلة للتطبيق. ومن مهام المؤسسات تقديم تقارير دورية إلى البرلمان والجهات الرقابية تتضمن تقييماً لمدى احترام الدولة لهذه الحقوق، ومقترحات لتحسين الأداء المؤسسي تجاه الكورد. أما على أرض الواقع، فتترجم هذه الضمانات من خلال إجراءات ملموسة من بينها تبني نظام اللامركزية، بحيث تُمنح السلطات المحلية في المناطق الكوردية صلاحيات واسعة في مجالات التعليم، والصحة، والتنمية الاقتصادية، مما يسمح لها بإدارة شؤونها وفق خصوصياتها الثقافية والاجتماعية.
إشراك الكورد في أجهزة الدولة على جميع المستويات من الوظائف الإدارية إلى المناصب القيادية، لضمان التمثيل وتشكيل غرفة ثانية بمثابة هيئة تمثل كافة الشرائح المجتمعية في المناطق الكوردية للمشاركة الفعلية في بناء الدولة ولتجاوز أي إقصاء أو تهميش ممنهج».
يشير ابراهيم: «يمكن بناء عقد وطني جديد من خلال نموذج اللامركزية المرنة وهو نظام يمنح صلاحيات واسعة للمناطق دون أن يترتب عليه انفصال مؤسساتي والاعتراف بلغتهم وثقافتهم. وإدماج تاريخهم في المناهج الدراسية وحماية خصوصيتهم الثقافية والدينية عبر مؤسسات مدنية. وهذا يزيل التوترات بين المكونات المختلفة. وأي حوار وطني شامل بين جميع المكونات العرقية والإثنية تسبقه إجراءات بناء ثقة مثل إطلاق سراح المعتقلين السياسيين وضمان حرية التعبير والعمل السياسي السلمي».
يختم ابراهيم: «هناك عدة عوامل رئيسية تضمن نجاح التحول السياسي، منها التوافق الوطني الشامل على قواعد اللعبة السياسية الجديدة. وتحقيق العدالة الانتقالية عبر محاسبة مرتكبي الجرائم ورفع المظلومية التاريخية عن المكونات. وحيادية المؤسسات الأمنية والعسكرية، وإعادة بنائها على أسس مهنية غير طائفية وتحت إشراف دولي – إقليمي ضامن يوفر الحماية السياسية والدبلوماسية لعملية الانتقال. والعمل من اجل نمو اقتصادي متوازن يعالج الفقر والبطالة باعتبارهما عوامل تغذي التطرف والانقسام. واجراء مصالحة مجتمعية فعلية، عبر برامج حوار وحملات إعلامية تعزز قيم التعايش والاعتراف المتبادل».
اللامركزية كمخرج توافقي في ظل الرعاية الدولية
تحدث السياسي، عبدالرحمن آبو لصحيفة «كوردستان»، بالقول: «ان الأوضاع التي مرّت بها سوريا (الثورة- الأزمة المستعصية- نهاية الأزمة- انسحاب وهروب وسقوط النظام الدموي البائد في 8/12/2024) كلها أتت وفق سيناريو ومخطط مرسوم ومتوافق إقليميا ودوليا؛ اتفقت عليه القوى العظمى والفاعلة في الأزمة السورية.
أربعة عشرة عاما من الدمار والخراب والقتل والتشريد (بتوافق دولي وإقليمي) ليس مجرّد رقم حسابي بل هو هلاك للقيم وللشعوب السورية ضربت الشعوب السورية في الصميم من كورد وعرب وباقي المكونات، إلى أن جاءت ساعة الصفر بانتصار إرادة السوريين وخلاص دمشق من الطغمة الحاكمة والتي تم بتوافق دولي وإقليمي، ولولا صيغة التوافق لما تم ذلك.!
إن الشعوب السورية التواقة إلى الحرية والخلاص، رأت في هذا التوافق حبل النجاة في ان تستريح من المعاناة والظلم والقتل والتشرد. بداية الخلاص مهمة جدا ولكن الأصعب فيما بعد. فالبرنامج الموضوع أمام السيد أحمد الشرع رئيس الجمهورية محدد وضمن إطار زمني من قبل الدول الكبرى ذات النفوذ في الوضع السوري عليه العمل به ولا مناص. نجح الرجل في عدة أمور وهناك ثغرات كثيرة تنتظره. قلت سابقا وبعد السقوط مباشرة، "رحل الديكتاتور بشار ولكن ترك وراءه حقولا من الألغام التي ستنفجر في توقيتاتها حذرت ذلك مرارا" ولا زال متلكئاً في أمور أخرى».
يتابع آبو: «الأوضاع معقدة جدا خاضعة لقانون التجاذبات والمد والجذر، ولعلّ أعقدها قضية الشعب الكوردي في كوردستان الغربية بما هي قضية أرض وشعب، ولعل الشهر الحالي والأشهر القادمة هو الامتحان الأصعب بالنسبة للرئيس أحمد الشرع وحكومته في امتحان القضية الكوردية في كوردستان الغربية على امتداد الجغرافية من ديريك في الجزيرة الكوردستانية إلى راجو في عفرين الكوردستانية.
اللامركزية السياسية هي نموذج حكم عصري لدول عديدة في العالم، وهي أعلى من الحكم الذاتي وأقل من الفيدرالية، وهو النموذج الذي تم التوافق عليه من قبل الدول الكبرى، وهو بداية الحلول للقضية الكوردية.
كانت الحركة التحررية الوطنية الكوردية في كوردستان الغربية وخاصة المجلس الوطني الكوردي تطالب بالفيدرالية وكذلك أحزاب الوحدة الوطنية الكوردية، إلا أن التوافق الذي حصل من قبل الدول المتصرفة بالوضع السوري (فرنسا) كان رأيها هو اللامركزية، وهذا ما حصل.
بدايةً الحلول للقضية الكوردية وللقضية السورية جيدة والحكم هو طاولة المفاوضات في دمشق وبرعاية دولية، فالارادة الدولية لها الدور الأساسي شئنا أم أبينا».
يضيف آبو: «الوثيقة السياسية (الرؤية الكوردية) المنبثقة من الكونفرانس الوطني الكوردي الذي جرى في 26/04/2025 هي الأساس في أي مفاوضات تجري بين الطرفين الأساسيين الحكومة السورية وممثلي الشعب الكوردي. وهي رؤية سياسية شاملة أتت نتيجة نضالات وتضحيات شعبنا الكوردي على مدار عشرات السنين. وهي متوافقة دوليا وإقليميا وخاصة من الجانب الكوردستاني وبرعاية مباشرة من زعيم الأمّة فخامة الرئيس مسعود بارزاني حفظه الله ورعاه، الراعي الأمين للقضية الكوردية في عموم كوردستان.
اللامركزية السياسية شكل توافقي وجيد لإدارة البلاد في المرحلة الحالية حتى الوصول الى صيغ أرقى (الفيدرالية) يجب الأخذ بها وهي ضرورية، لقد كان المركزية سبب الويلات والكوارث على شعبنا السوري (بكورده وعربه وباقي المكونات)، علينا الارتقاء بنموذج تعايشنا السلمي الديمقراطي المشترك ولا سبيل غير ذلك.
ننظر إلى زعيم الأمّة فخامة الرئيس مسعود بارزاني والعالم كله على أنه أحد أعمدة التغيير في الشرق الأوسط وليس في كوردستان أو العراق، باحتضانه ملف كوردستان الغربية للمرة الرابعة يعني لنا الكثير».
يشير آبو: «إلى ان شكل المفاوضات التي ستتم بين ممثلي الشعب الكوردي والحكومة السورية في قادمات الأيام سيغير ويعدل الكثير من أساسيات أركان الدولة الحالية، لا بد أن يكون هناك تعديلات جوهرية في دستور البلاد وطبيعة الحكم، إن المنطق يحتّم ذلك.
وستشكل لجان مختصة لتعديل ذلك بما يتوافق نتائج المفاوضات التي ستجري برعاية دولية وإقليمية، هذا محدد برنامج توافقي دولي وإقليمي، وسيتخذ عنوانا عريضا (المفاوضات الكوردية- الحكومية)».
يعتقد آبو: «ان المرحلة الحالية التي تمر بها البلاد بحاجة ماسة الى عقد وطني جديد يراعي جميع الشعوب والمكونات السورية وهو ليس انتقاصا بل جمالا ورونقا. لقد عاش الشعب السوري بكورده وعربه وباقي المكونات طيلة النصف قرنا المركزية المفرطة واللون الواحد والحزب الواحد حياة التهميش واللامبالاة؛ لقد آن الأوان ليفتخر هذا المواطن بسوريته والانتماء لهذا الوطن الجميل الرائع، وهذا ما نأمله من الشعب السوري الرائع كوردا وعربا ومكونات أخرى».
يردف آبو: «إنّ سوريا أرض التاريخ والحضارات بحاجة ماسة إلى عقد وطني يلبي الشعوب السورية الرائعة بفسيفسائه الجميل، وحتما ستأخذ الشعوب السورية (كوردا وعربا ومكونات أخرى) كل ذي حق حقه المنشود في تقرير مصيره بنفسه.
الفيدرالية والكونفدرالية أشكال دولة وقتية وهي ليس تفتيتا بل عامل وحدة واتحاد، ولكن الطبيعة المركزية العروبية التي جلبت الويلات والكوارث والثقافة الأحادية هي تولد المخاوف من الفيدرالية والكونفدرالية. لننظر إلى الدول الأوربية نرى أرقى أشكال الحكم وحتى في الدول الأسيوية المتطورة (يابان الصين وروسيا...) وقد حققوا لشعوبهم الازدهار والتقدم لم تحققه دولة ضيقة الأفق.
علينا الإيمان بدولة تعددية برلمانية ديمقراطية ولا مركزية سياسية أو فيدرالية وهو الضمان الحقيقي لصيغة التعايش والرقي المشترك علينا أن لا نخاف من تجارب العيش المشترك الماثل أمامنا. تطبيق تلك البنود هي الضمان الحقيقي لوحدة البلاد، أما غير ذلك فسنهلك البلاد والعباد والعودة إلى تكرار السابق المقيت.
لا بدّ من الإيمان الراسخ بتلك المبادئ والدول العظمى تريد ذلك لسوريا الاتحادية وفقا لمصالحها ومصالحنا تنطوي في مصالح الدول الكبرى، علينا عدم تفويت الفرصة التاريخية التي لا تتكرر.
الشعب الكوردي في إقليم كوردستان الغربية- سوريا واعٍ جدا يعشق السلم والعيش المشترك؛ يجب الاعتراف والإقرار الدستوري بالهوية القومية لشعبنا الكوردي كشعب يعيش على أرضه التاريخية».
بين المركزية واللامركزية، البحث عن صيغة تعايش في سوريا ما بعد الصراع
تحدث رئيس فيدراسيون منظمات المجتمع المدني، حسن قاسم لصحيفة «كوردستان»، بالقول: «شهدت سوريا منذ عام 2011 تحولات سياسية عميقة غير مسبوقة, تمثلت في اندلاع ثورة شعبية تطالب بالحرية والعدالة والديمقراطية, سرعان ما تحولت الى صراع متعدد المستويات بفعل التدخلات الاقليمية والدولية, والانقسامات الداخلية, وتنامي دور الفاعلين غير الحكوميين, هذه التحولات كشفت هشاشة البنية الياسية التقليدية، وأكدت الحاجة الى صياغة العقد الوطني السوري على أسس جديدة تضمن المشاركة والتمثيل العادل, وحقوق جميع المكونات القومية والدينية.
ومع تعقد المشهد السوري وتعدد مسارات التفاوض الدولية وتراجع مركزية القرار السياسي, بات واضحا ان اية تسوية سياسية عادلة ومستدامة لا يمكن ان تنجح دون معالجة جذور الأزمة, والاعتراف بالتنوع القومي والاجتماعي ووضع اسس حكم ديمقراطي لامركزي يضمن الحقوق والحريات, وفي هذا السياق تبرز أهمية دور المكونات التي طال تهميشها, وفي مقدمتها الشعب الكوردي الذي يشكل جزءا أساسيا من النسيج الوطني السوري وساهم بفعالية في الدفاع عن الاستقرار ومكافحة الارهاب».
يتابع قاسم: «إن وصول أحمد الشرع إلى رئاسة الحكومة لم يكن مجرد صدفة سياسية، بل جاء نتيجة توافق معقّد بين الأطراف الفاعلة، أبرزها الولايات المتحدة، وروسيا، ودول الاتحاد الأوروبي، إلى جانب تركيا ودول الخليج العربي. وتتمحور هذه التفاهمات حول ضرورة بناء نظام سوري جديد لا يشكل تهديدًا لجيران سوريا أو يتيح الفراغ الأمني لعودة الجماعات المتطرفة.
الولايات المتحدة وحلفاؤها الأوروبيون ركّزوا على أهمية الحفاظ على وحدة سوريا، مع تعزيز التعددية السياسية واللامركزية كحلّ واقعي لتقاسم السلطة. في المقابل، رأت تركيا ودول الخليج، وخاصة السعودية وقطر، أن استقرار سوريا ينبغي أن يضمن توازنًا ديموغرافيًا وسياسيا، يُبعد البلاد عن الهيمنة الإيرانية، ويمنع تحوّلها إلى ساحة صراع بالوكالة.
هذه التفاهمات، رغم كونها خارجية، لم تُفرض بالقوة، بل سعت لخلق بيئة توافقية داخلية تُمهّد لحل سوري من الداخل، ما يضبط حدود الدور الخارجي عند مستوى الضامن لا المهيمن، رغم أن هذا التوازن لا يزال هشّا ومعرّضا للتقلبات».
يضيف قاسم: «ان الدولة اللامركزية تُطرح اليوم كنموذج توافقي، يمكن أن يحقق توازنا بين الحفاظ على وحدة الدولة، ومنح المكونات القومية والدينية حقوقها السياسية والثقافية والإدارية. اللامركزية لا تعني بالضرورة التقسيم أو الانفصال، بل تتيح لكل منطقة إدارة شؤونها المحلية ضمن إطار السيادة الوطنية.
بالنسبة للكورد، يشكّل هذا النموذج فرصة تاريخية لإعادة بناء العلاقة مع الدولة، على أساس الشراكة والمساواة لا التبعية والتهميش. فإذا طُبِّق النموذج بشكل سليم، مع ضمان دستوري حقيقي للحقوق، فإن ذلك سيساهم في تحقيق استقرار داخلي دائم.
الضمانات المطلوبة لتثبيت الحقوق الكوردية يجب أن تكون على مستويين: دستوري، عبر الاعتراف الصريح بالكورد كشعب يعيش على أرضه التاريخية, وكمكوّن رئيسي من مكونات الشعب السوري، وضمان استخدام اللغة الكوردية في التعليم والإدارة والثقافة، وتمكين المشاركة السياسية العادلة لهم.
سياسي ومؤسساتي: من خلال تمثيل فعّال للكورد في المؤسسات العليا للدولة، ووجود آليات رقابية تمنع العودة إلى السياسات الإقصائية السابقة.
أما على أرض الواقع، فتشمل الآليات الممكنة: تشكيل مجالس محلية ذات صلاحيات موسّعة في المناطق ذات الغالبية الكوردية وضمان دعم دولي (تحت إشراف الأمم المتحدة) لتطبيق ما يُنص عليه في الدستور. وربط الدعم الاقتصادي الدولي للحكومة السورية بمدى التزامها بتطبيق الحقوق الدستورية للمكوّنات».
يشير قاسم: «إلى ان بعض الأطراف، داخليا وخارجيا، تتحفظ على نماذج الفيدرالية أو الكونفدرالية، خوفا من التقسيم. لكن هناك إمكانية لبناء عقد وطني جديد، يُراعي الخصوصية الكوردية دون الحاجة لهذه النماذج المثيرة للجدل.
البديل يكمن في صيغة اللامركزية الموسّعة ذات الخصوصية الثقافية، أي منح الكورد القدرة على إدارة شؤونهم الثقافية والتعليمية والإدارية، مع إشراكهم في القرار السياسي المركزي. هذا العقد يجب أن يستند إلى مبادئ العدالة والمساواة وعدم التمييز، ويُضمن من خلال نصوص دستورية واضحة، لا تترك مجالا للتأويل.
كما يُعدّ الحوار الوطني الشامل، الذي يشارك فيه ممثلون حقيقيون عن كل المكوّنات، هو المفتاح الأساسي لصياغة هذا العقد الجديد، ضمن خارطة طريق مرحلية ومدعومة دوليا.
لضمان نجاح التحوّل السياسي، ومنع الانزلاق نحو التفكك أو الصراعات الجديدة، يجب أن تتوفر عدة عوامل أساسية: إرادة سياسية داخلية جامعة: لا بد من وجود توافق داخلي حقيقي بين القوى السياسية السورية، بعيدًا عن الإقصاء.
دور دولي متوازن: يقتصر على الدعم لا التدخل المباشر، ويشرف على الانتقال بسلاسة دون فرض أجندات.
خطة اقتصادية لإنعاش المناطق المنكوبة: لأن الاستقرار السياسي لن يصمد بدون استقرار اقتصادي.
مصالحة مجتمعية شاملة: تتضمن معالجة آثار الحرب، وإعادة دمج المتضررين، وضمان العدالة الانتقالية. وتعزيز سيادة القانون وبناء مؤسسات قوية: تضمن الحقوق وتحارب الفساد».
يختم قاسم: «إن ما تمر به سوريا اليوم ليس فقط لحظة سياسية، بل لحظة تاريخية لإعادة تعريف العلاقة بين الدولة والمجتمع. والكورد، كجزء أصيل من هذا المجتمع، أمام فرصة نادرة لتثبيت حقوقهم ضمن عقد وطني جديد، لا يقوم على الإقصاء أو الوصاية، بل على الشراكة والمساواة والاعتراف بالخصوصية ضمن إطار الوحدة.
ان المرحلة المقبلة تتطلب من جميع القوى الوطنية, بما فيها القوى الكوردية, العمل على بناء مشروع سياسي جامع, يتجاوز الاصطفافات الضيقة, ويضع مصلحة الوطن والمواطن فوق كل اعتبار, تمهيدا لدخول سوريا في مرحلة انتقالية حقيقية نحو دولة ديمقراطية مدنية تعددية لامركزية».